الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / صفحات من تاريخ طالب مسرّح على أبواب الجامعة

صفحات من تاريخ طالب مسرّح على أبواب الجامعة

سامي براهم

كان الترسيم في الجامعة معركة مصيريّة خاضها المساجين السياسيّون المُسَرَّحُون بعد انتهاء محكوميتهم،

سنوات من المحاولات كلّ بطريقته “تقديم قضايا في المحكمة الإداريّة، الضغط من خلال المنظمات الحقوقية الدوليّة، الإضراب عن الطعام، الاستفادة من حياد أحد عمداء الجامعة وشجاعته حيث أطلق عليه وقتها “النجاشي” لقبوله ترسيم عدد من الطلبة المساجين”، وقد أذعنت السلطة في فترات متلاحقة بشكل جزئيّ في بعض الحالات.

بقيت سنتين أحاول بشتّى الوسائل قبل الموافقة على عودتي للدّراسة بل رفضت إدارة الكليّة في البداية مجرّد منحي نسخة من الملفّ الجامعي الذي يُثبِتُ مزاولتي الدّراسة بها، ورفضت المحكمة الإداريّة مطلب إعادة الترسيم لأسباب شكليّة واعتبرت وزارة التعليم العالي وقتها في تبرير رفضها ترسيمي أنّ السّنوات التي قضيتها بعيدا عن مقاعد الدّراسة لا تُؤهّلني لاستئناف الدراسة من جديد “العارض قد تجاوز الحدّ الضّامن لأدنى مستوى في التّكوين” كما ورد حرفيا في ردّ الوزارة الموثّق بنصّ حكم المحكمة الإداريّة.

لكنّني والحمد لله عدت مع مجموعة من الطّلبة بعد أن صار منعنا من الدّراسة فضيحة في دولة ترفع شعار الدّراسة من “المهد إلى اللحد” وتنظّم دروسا لمحو الأميّة،

عدنا وتألّقنا في الدّراسة، بعضنا أنجز رسالة الدكتوراه ويُدرّس اليوم في الجامعة.

أكملت إجازتي في كليّة 9 أفريل الحبيبة إلى قلبي ووجدت التعاطف من بعض من عرفوا وضعيّتي من الأساتذة الشّرفاء ومن الطّلبة،

كنت أخشى أن يعلم الأمن الجامعي بوضعيتي فيلزمني بالإمضاء ويُعلِم مركز الشرطة ومنطقة الأمن التي أرجع إليها بالنظر فيقع عرقلتي خاصّة وأنّني كنت قد غادرت مقرّ سكني هربا من المضايقات لذلك كنت أدخل الكليّة خفية عن أنظارهم، وكنت أدرس وأشتغل في الأسواق بائعا متجوّلا من سوق أسبوعية إلى سوق أخرى أحمل كيس البضائع وحقيبة الدروس.

نلت الإجازة برتبة الأوّل في قسم اللغة والآداب العربية، حرمت من جائزة الكليّة وقدّمت شكوى لرئاسة الجامعة في ذلك فخاطبني مسؤول برئاسة الجامعة “إحمد ربي رجعت للقراية هاذيكة جائزتك”.

قدّمت ملفّ الماجستير في كليّة الآداب بمنّوبة، قُِبل ملفّي بشكل قانونيّ ونجحت في امتحان شهادة الماجستير “أوّل ماجستير في الجامعة التّونسيّة” برتبة الأوّل في اختصاص الحضارة،

ثمّ أنجزت رسالة الماجستير حول أصول الفقه عند المعتزلة تحت إشراف أستاذ بورقيبيّ أدين له بالاحترام والتقدير، آثرت عندما تقدّمت له بتقرير البحث أن أصارحه بوضعيتي حتّى لا يكتشف الأمر صدفة أو وشاية ويتركني في التسلّل فأجابني “حتّى لو كنتَ في السّجن وطلبت إشرافي سأشرف عليك” كان إشرافه علي رسالتي شكلا من الحماية المعنويّة.

كان يوم المناقشة مشهودا حيث غصّت القاعة بالأصدقاء من الزملاء ورفاق السّجن القدامى، كانت اللجنة مكوّنة من الأستاذ كمال عمران رئيسا والأستاذ توفيق بن عامر مشرفا والأستاذة ألفة يوسف مقرّرة، نلت الشهادة بملاحظة حسن جدّا، ونشر العمل بعد الثورة تحت عنوان “نقد العقل الأصولي”.

بعد مدّة رسّمت في رسالة الدّكتوراه حول قضيّة إشكاليّة في المنظومة الأصوليّة، كان من المفروض أن أنكبّ على إنجاز بحثي لكنّني فشلت في إلزام نفسي بذلك مقابل الانعزال عن حراك الواقع قبل الثّورة وبعدها،

لم أتخلّف عن كتابة المقالات والبحوث ومواكبة الندوات والتظاهرات الفكريّة والحقوقيّة والسياسيّة التي تنظمها الأحزاب والمنظمات الوطنيّة والجمعيّات.

شاركت في إضراب الجوع الذي نظّم في بيت المناضل اليساري صالح الحمزاوي مساندة للأستاذ حمّة الهمّامي الملاحق في السريّة،

شاركت في كلّ جلسات 18 أكتوبر العلنيّة مناقشا ومبديا للرّأي،

لم أتخلّف عن ندوات مهمّة نظمت من طرف جمعيات مهمّة مثل جمعيّة النساء الديمقراطيات والرابطة التّونسية للدّفاع عن حقوق الإنسان ومنظّمة العفو الدّوليّة التي كنت أحد أعضائها والنّاشطين صلبها واللجنة الدّوليّة لمساندة المساجين السياسيين والمجلس الوطني للحريات وطبعا جمعية منتدى الجاحظ المتميّزة التي ساهمت في رفع مستوى الوعي الثقافي والمعرفي والحواري في سنوات القحط،

كما شاركت في ندوات سياسية نظمتها أحزاب مثل حركة التجديد وحزب الوحدة الشعبية “منتدى التقدّم” وحزب الديمقراطيين الاشتراكيين والتكتّل من أجل العمل والحريّات والحزب الديمقراطي التقدّمي الذي واكبت تأسيسه بعد أن كان التجمّع الاشتراكي التقدّمي، وقمت بتغطية التّأسيس الأوّل له،

كان الحزب الديمقراطي التقدّمي البيت الذي احتضن جميع التّونسيين على اختلاف مشاربهم وتوجّهاتهم، شاركت في تظاهراته وندواته خاصّة منتدى الموقف، ورفعت راياته في المظاهرات والمسيرات سواء المساندة للقضيّة الفلسطينيّة أو المناهضة لغزو العراق أو المطالبة بالحريات، وتدافعت مع جمع من النّشطاء مع البوليس السياسي أمام مقرّه المركزي بنهج إيف نوال لفكّ الحصار عنه،

واكبت إضراب الجوع الذي نظّم بتاريخ 18 أكتوبر 2005، وشاركت في كلّ التظاهرات التي نظمت في مقرّ الحزب الديمقراطي التقدّمي، دون أن أنخرط فيه، كتبت العديد من المقالات الفكريّة النقديّة في جريدة الموقف ومواطنون وموقع الأوان، ولم أتخلّف عن أيّ محطّة من المحطّات الوطنيّة رغم الأوضاع الأمنية والسياسيّة،

شاركت مع الناشطين المدنيين والسياسيين في المسيرة التي انطلقت من ساحة معقل الزّعيم إلى سجن منّوبة حيث اعتقلت الأستاذة سهام بن سدرين بعد رسالة استفزّت رأس النّظام، مسيرة قوبلت بالعنف والتعنيف.

شاركت في يوم مساندة للأستاذ محمّد مواعدة في بيته بمناسبة اعتقاله حضر فيه نخب سياسية وحقوقيّة من مختلف الحساسيات وكذلك فعاليات مساندة الأستاذ محمّد عبّو…

وفي خضمّ كلّ ذلك لم أحرص على التقاط صورة توثّق هذه المشاركات، حتّى الصّور التي التقطها غيري أستحي من نشرها خشية التّفاخر.

درّست في الجامعة طيلة أربع سنوات بعقد نصف سنوي كانت العلاقة فيها بالطلبة علاقة أخوّة وصداقة وحبّ للمعرفة ومناهجها لم أدّخر فيها جهدا لنقل المعارف والتوجيهات التي تعلمتها من أساتذتي إلى الطلبة مع الحرص على احترام آرائهم وعدم التمييز بينهم.

لم أتخلّف عن يوم من أيّام الثورة، وكان بيني وبين الموت خرطوشة طائشة،

يوم 14 جانفي كنت أمّام باب الدّاخلية منذ الصباح لأشهد ذلك الحدث التّاريخي، ربّما كذلك لأتحرّر من ذكريات زنزانات الدّاخليّة المرعبة، كان تفريق المظاهرة عمليّة عسيرة لكثرة الازدحام، كان يمكن أن تكون لحظة الاختناق بالغازات آخر موعد مع الحياة لكن أبت الأقدار إلا أن تجمعني بنضال التي بلغت سبعة أشهر في بطن أمّها.

بعد هروب المخلوع كنت وعائلتي على مرمى النّيران نعدّ أنفسنا لكلّ الاحتمالات وكان طلق الرّصاص تحت نوافذ المنزل.

طيلة سنوات ما بعد الثّورة لم أقصّر في الترشيد ونشر الوعي على امتداد المناطق والجهات “أكثر من 600 محاضرة تطوّعيّة من شمال البلاد إلى جنوبها” وخارج البلاد فضلا عن البحوث والدّراسات المنشورة وغير المنشورة والمشاركات الإعلاميّة.

لم أتحزّب ولم أسعى يوما وراء المواقع والغنائم والتنفّع،

واليوم أعود لإكمال مشوار البحث العلمي وكلّي أمل في مستقبل أفضل للبلد وللجامعة التّونسيّة التي رغم كلّ الرّداءات بقيت بقدر من الأقدار تُدار ضمن معايير الأخلاق الأكاديميّة.

ألتقي من حين لآخر بزملاء قدامى لم يعرفوا المصير الذي عرفته، بعضهم واصل دراسته وتألّق وترقّى في مدارج المعرفة والدّرجات العلمية والمهنيّة وهم يستحقّون ذلك ولا أغبطهم عليه، أفرح لهم وأسعد بما اخترته من مسار متعب ولكن يرضي ضميري ولو قُدِّر لي العودة إلى الماضي ربّما لن أختار مسارا آخر ولكن بأكثر ذكاء وحرفيّة وإخلاص.

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد