السبت ، 18 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / نافذة سريعة عن معاناة أبناء الضّحايا

نافذة سريعة عن معاناة أبناء الضّحايا

نضال السالمي

تذكرون حين حدّثتكم عن فتاة تواصل الدكتوراه في أوروبا.. منذ سمعت بسمة البلعي وباقي الضّحايا وهي في اكتئاب شديد لأنّها يومها فقط عرفت وفهمت الأساليب الّتي تعرّض لها أباها أثناء السّجن..

سأروي الآن شهادتين لشابّ وشابّة.. وهؤلاء الثلاثة يشتركون تقريبا في حالة الوجع والصدمة والفهم بعد سماعهم للشّهيدة الحيّة بسمة البلعي :

1. شاب حدّثني مطوّلا جدّا عن الدّراما الّتي عاشتها العائلة.. أباه من كوادر الجيش المتّهمين بمحاولات انقلاب وهميّة ضد بن علي لصالح النهضة.. عاش عذابات 10 سنوات سجن.. ترك ابنه في العامين من العمر وخرج ليجده فتًى يافعًا..

المهمّ أنّ أباه خرج من السجن بقسوة شديدة في تعاملته مع أولاده.. ضرب مبرح.. تحجّر مشاعر.. المأساة أنّ الإبن وصل في فترة من حياته إلى كراهية أباه بشدّة.. أخوه أيضا كان يكره أباه.. هذا الأخ مات صغيرا بالسرطان وفي قلبه حقد على الأب..

قال لي أمرا عجيبا.. أنّ أباه في صوم متواصل منذ عشر سنين.. نعم أمر يفوق الخيال.. ويبدو أنّه آستنتج أنّ أباه يروّض أعصابه ويقاوم جبال الحقد والنّقمة والمعاناة داخل روحه بالصوم الدائم..

هذا الإبن كان تلميذا متفوّقا.. وهو الآن مهندس بإحدى الدول الإفريقية.. صار كارها لتونس وللعائلة.. لا يريد العودة خاصة منذ وفاة أخاه.. فقط في السنوات الأخيرة حدث تغيير في سلوك الأب.. بعد حادثة غيّرت أجواء العائلة جذريّا..

ذات يوم آجتمع الجميع وقالوا : كل فرد يكتب في ورقة ترتيب بقية أفراد العائلة من حيث أكثرهم مصدرا للحب الأسري… فكان في كل الأوراق ترتيب الأب الضحيّة هو الأخير.. من يومها بدأت الأمور تتغيّر..

هذا الإبن يبكي بشدّة.. أنّ الدولة.. التّعذيب زرع داخل أباه وحشا قاسيا لفترة طويلة من الزمن.. يبكي لأنّه مرّ بشعور عجيب من الكراهية ضدّ أباه.. لأنّ أخاه مات حاقدا على الأب.. يبكي حزنا لأنّ أباه يعاني ويكابر فلم يخبرهم شيئا إلى اليوم عمّا حدث له..

2. الحالة الثانية لطالبة إسلاميّة كتبت لي رسالة طويلة جدّا.. كم شعرت داخل سطورها بأنفاسها المتسارعة وخفقان قلبها الّذي ينبض بالألم..

في الحقيقة لقد كانت مكاشفة شجاعة جدا.. حدّثتني عن أمّها.. تؤكد لي أنّ أمّها لم تكن نهضاويّة إطلاقا.. كانت إسلاميّة فقط.. المهمّ أنّ البوليس قد أمر أمّها بنزع الحجاب.. هذه كل القضيّة.. وكان لأمّها حانوت صغير.. فيه بعض الأوراق المعلّقة لآيات قرآنية وأدعية.. أمروها بنزع تلك الأوراق أيضا..

عادوا في اليوم الموالي فوجدوها لم تنزع حجابها ولا نزعت الأوراق.. فأصعدوها معهم عنوةً في سيّأرتهم (الباڨا).. مضوا بها تقريبا عشرين كم ثمّ أنزلوها في ملابس خفيفة بعد أن نزعوا عنها حجابها.. فعادت حافية طيلة ذاك الطريق لمنزلها.. حافية.. عليها آثار عنف..

الإبنة تقول أنّ أمّها عادت إنسان آخر تماما.. لم تتكلّم إطلاقا عمّا حدث لها داخل السيارة.. أين ذهبوا بها.. ولكن المرأة الّتي عادت صارت أمّ قاسية جدّا.. تعنّفهم بلا رحمة.. تميل دوما للعزلة والإكتئاب.. لم تعد تنام مع زوجها بنفس الغرفة.. رغم أنّ الأب رجل رائع ومتفهّم ويحاول دوما مساعدتها على التّجاوز..

لقد كانت أربع ساعات فقط كافية لتغيير مسار أسرة سعيدة للأبد..

الفتاة تقول أنّها سمعت بسمة البلعي وهي تبكي بالشّهقة.. لقد فهمت أو هي تأكّدت من ظنونها الّتي رافقتها لسنوات طويلة..

اللهمّ يا رحمان.. خفّف عن عبادك فإنّهم ضعفاء مكلومون..

#عرفتوش_توّا_بقدّاش_كيلو_النّضال

#ما_لنا_غيرك_يا_الله

شاهد أيضاً

هل يقبل القوادون برفع الوصاية عن المساجد ؟؟

الأمين البوعزيزي • على مدار عقود طويلة مارست مقرات حزب الحاكم اللصوصية (عدم خلاص فواتير ...

اترك رد