السبت ، 21 أكتوبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / رسالة إلى رفيق محنة قديم

رسالة إلى رفيق محنة قديم

سامي براهم

يشير إليّ بعض الأصدقاء أنّني لم أعد كما كنت، ويجب عليّ من هنا فصاعدا أن أحذر في كلّ ما أقول وأكتب، وأنا مصرّ على أن أواصل حياتي بشكل طبيعيّ لست مقتنعا أنّ مجرّد شهادة عابرة عن مظلمة تُحوّل شخصا بين عشيّة وضحاها إلى رمز إلا في شرقنا المسكون بالأشخاص الخارقين الذين يفتحون البلدان على ظهور الخيول المُسْرَجَة.

لذلك أحبّ أن أوجّه رسالة صادقة إلى رفيق محنة قديم

صديقي، كنتَ رفيق سجني في البافيون س، بسجن 9 أفريل هل تذكر ؟

رويت لي كيف وقع تعذيبك في مواضع حسّاسة مما استوجب إجراء عمليّة جراحيّة، قرأتَ لي رسائلك إلى زوجتك الفاضلة ورسائلها إليك، رويت لي شهادتك المؤلمة عن قتل صديقك تحت التعذيب وكنتَ شاهد عيان في ذلك، قضينا مدّة في تلك الغرفة العجيبة القميئة قبل أن يقع نقلي إلى سجن آخر.

افترقنا والتقينا بعد سنوات خارج الجدران، كنتَ تنفق من وقتك ومالك وجهدك وحقوق عائلتك من أجل توثيق الانتهاكات، ولاقيتَ من أجل ذلك الملاحقة والمتابعة والتعنيف والتضييق في الرزق وسرقة سيارتك والعودة إلى السّجن ولكنك لم تتراجع، وبقيتَ صوتا حرّا وضميرا للشهداء والمساجين، عشرات بل مئات التسجيلات حوّلتَ من أجلها بيتك إلى مخبر للتوثيق والمنتجة،

لم تتأخّر في أيّ موقف نضالي حقوقي أو سياسي، في كل المسيرات والتحركات والتجمعات ودافعت كتفا بكتف قوات الأمن وهي تمنع الدّخول لمقرّ الـ PDP حتى أسقطوك أرضا.

كنّا أصدقاء لا نفترق، ساندتني في كثير من المواقف العسيرة التي لن أنساها، آويتني في بيتك واستضفتك في بيتي،

لن أنسى يوم غادرتُ منزل العائلة ذات مساء تحت جنح الظلام حاملا أدباشي في سيارتك، كان يوما مشهودا، مليئا بالشجن، كانت فرصة للتحرّر من الرقابة والاشتغال على بعض الملفات الحقوقية بوسائل تقنية بسيطة ولكن كانت مؤثرة تقضّ مضجعهم.

اليوم بعد الثورة، في هذا المسار المتقدّم الذي كنتَ أحد روّاده ترتبك خطواتك وتختلط لديك الأمور وتتشوّش عليك الرّؤية.

صديقي كنتُ أتمنّى أن أراك تستقبلني في ذلك اليوم التاريخي الذي يتوّج تعبنا وشقاءنا ومواجهتنا لليأس والإحباط والتعسّف، كنتَ أولى بذلك اليوم شاهدا أو مشهودا بحضرتك، لكن كان لك راي آخر وموقف آخر وتموقع أخر وفي نفس الوقت الذي كنتُ أعرض فيه شهادتي كنتَ أنت تتجوّل من قناة إلى قناة تشكّك في المسار ونتائجه.

صديقي إذا كنتُ قد أعلنت في شهادتي استعدادي أن أقابل اعتذار جلاديّ وجوابهم عن أسئلة الضحايا بالمغفرة، فأنت أولى منهم بالمغفرة مهما كان الموقف من تعثرك واضطرابك في استيعاب مقتضيات اللحظة التاريخيّة التي يصير فيها الحليم حيرانا ولا يدرك حقيقتها إلا أولو العزم.

اليوم أحسّني متخفّفا من كلّ الشوائب الذاتية لذلك أُشهد الله أني قد غفرت لك وأسأل الله لك التبصّر والمراجعة قبل الوقوف أمام عدالة سماويّة أبديّة تُنشَر فيها الصّحف والأعمال ويبرز النّاس أمام عالم السرائر الذي لا تخفى عليه خافية يَعلَم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور.

شاهد أيضاً

إصلاح التعليم… ومنهاج الخراب الكبير

إسماعيل بوسروال اطلعت على وثيقة الاصلاح التربوي 2017 المسماة “المنهاج” باللغة الفرنسية. وبعد قراءتها والتامل ...

اترك رد