الجمعة ، 17 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / بين السياسة ولعبة الشطرنج…

بين السياسة ولعبة الشطرنج…

عمر جلالي

يدرك الموهوبون في لعبة الشطرنج والمولعون بالسياسة وخباياها أن هناك تشابها كبيرا وعديد نقاط للاتقاء والتقاطع بين منشطيهما ومجاليهما:

فكما الشطرنج كذلك السياسة كلاهما لعبة “الكبار” الموهوبين العباقرة الاستراتيجيين الذين يتقنون فنون الخبث حد الخساسة والتكتيك والمخاتلة وتحين الفرص والضرب تحت الحزام ولا مكان للـ”ضعفاء” والمترددين والبلهاء في مثل هذه الميادين..

كما في الشطرنج كذلك في السياسة :

• لا مكان للعواطف والمجاملات… ولا لإضاعة الفرص مهما لاحت ضئيلة ولا للتردد والتراجع ولا رهان إلا على الذات دون انتظار هدايا من عدو أو خصيم…

• الانتصار موكول إلى قوة التدبير وقراءة كل الخيارات والفرضيات والتعمق فيما وراء الحدث كذلك يتأتى الانتصار من أخطاء الخصم وسوء تقديره وحسن استغلالها وإجباره على ارتكابها…

• لا للاستهانة بالمنافس مهما بدت “سذاجته” ولاحت محدودية مناورته وبساطة تفكيره فكم من مغرور كان مهلكه على يد من استهان به…

• تنبني خطوات النجاح على رسم خياراتك ووضوح أهدافك -في ذهنك- دون الإفصاح عنها بنفس القدر الذي تتوقع فيه وتستشرف خطوات خصمك وتفكك مخططاته وتتخلص من شباكه وتقلص هامش مناورته…

• ترسم الخطط المحكمة والمناورات الذكية وفق اللحظة الراهنة ومع الاستعداد التام والتحفز للتغيير في كل خطوة وفق مقتضيات ومجريات الأحداث… لا ثابت إطلاقا إلا ما يقرب من الظفر والإطاحة بالغريم…

• الوقت عنصر محدد قد يؤدي عدم استغلاله إلى الهزيمة وإن كانت الوضعية الميدانية عكس ذلك وقد يؤدي إرباك الخصم وحرمانه من الوقت لاسترجاع الأنفاس وإعادة التخطيط وتلافي الأخطاء إلى حسم المواجهة مبكرا…

• الدفاع الحصين واللحمة الداخلية توفر جهودا إضافية ومهددات فعالة لإتمام المهمة والتتويج النهائي والدفاع أفضل وسيلة للهجوم..

• التنطع والمناورة غير المحسوبة والـ”خفة” المفرطة مدعاة لضياع المجهود وتشتت التركيز وكثرة الزلل وكشف النوايا والخطط ومكمن للوقوع والهزائم…

• تحصين الزعامة والقيادة -لحظات الهجوم المربك أو توقع الغدر- ضرورة تكتيكية قد تنقلب إلى ضرورة استراتيجية تكون أحيانا كثيرة عاملا محددا في الانتصار…

• أخذ زمام المبادرة وحرب الاستنزاف والضغط المتواصل والضربات المدروسة والمتتالية أسلحة فعالة في إرباك الخصم وشل حركته وتهرئته…

• الصبر وطول النفس والتحلي بالحكمة والتحكم في الذات دون ارتباك ولا هلع، سلاح نفسي إضافي للتأثير على الخصم قد يصيبه في مقتل ويدفعه إلى الاستسلام قبل النهاية المفترضة..

• التضحية بأي جندي -مهما كان- من أكبر وأهم الخيارات لفرض الانتصار على الخضم من حيث لم يحتسب كما تكتسي خيارات التضحية أرقى القرارات وأصعبها التي تتطلب التعمق في التخطيط والجرأة في الحسم والسرعة في التحرك والمفاجأة في التنفيذ والإبداع في المناورة…

• ليس هناك ربح مسبق ولا نصر مضمون مهما بدت احتمالاته عالية… العبرة بالخواتيم والضحك لمن يضحك آخرا..

• البيادق -رغم أغلبيتهم- هم أقل الجنود قيمة وهم وقود المعارك والدرع الأمامي للتحرك والدفاع والهجوم.. لا يسمح لهم بالتراجع إلى الوراء على عكس كل العساكر الأخرى…

• هناك “الفيل” أو ما يعرف بـ”المجنون” (fou) لا يتحرك إلا اعوجاجا ولا يكون إلا بلون واحد وغالبا ما يكون سقوطه مبكرا…

• هناك الخيول النقالة تعتمد حركتها على القفز والتجاوز وتغيير لونها من نقلة إلى أخرى وحركة إلى أخرى كثيرا ما تكون حاسمة في أواخر اللعب… وتكون مهمة جدا في اختراق الحصون ورسم الخطط…

• هناك الرخ (أو القلعة) بطيئة الحركة قوية الضربة حاسمة التدخل تتكفل -عادة- بحراسة المواقع الخلفية يلجأ لها في مواقف احتدام المواجهة…

• هناك العقل المدبر والمناور الفذ وسريع الحركة في كل الاتجاهات -تقريبا- صاحب الضربات الخاطفة والتدخلات القاسمة لا تعادله أي قطعة من الحاشية وخسارته مبكرا تربك الصفوف وتوهن العزائم انه الوزير (الأميرة)…

• محور المعارك ومبرر وجود الجند هو أضعفها حماية لنفسه وأكثرها ارتباطا بغيره… كل شيء وكل تضحية تهون من أجله.. لا يقدر بقيمة ولا معنى للعبة أصلا بافتقاده: انه الملك أو القائد الأعلى… جوهر المعارك هو الوصول إليه والقضاء عليه.. تنتهي “الحياة” بفقده وانتهاء “حياته”..

• لا يستهان بأي جندي مهما كان… قد تخدمه الظروف فيحسم الموقف وينهي المواجهة وإن كان بيدقا…

• قد يثابر البيدق ويتجاوز كل المخاطر وينفذ كل المخططات والسياسات حتى يخترق حصون العدو فيرتقي ويتوج وزيرا أو أي منصب أخر (إلا ملكا فلن يكون)…

• قد تنتهي المواجهة مبكرا باستسلام أحد الخصمين لعجزه عن المواصلة ووضوح تفوق خصمه عليه..

• كل المتداخلين في اللعبة ليسوا إلا قطعا تخوض معارك بالنيابة لحساب أطراف خارج رقعة المعارك يحركونهم وفق مخططاتهم ويوجهونهم وفق مصالحهم… وقد تقتضي موازين القوى أن يتوافق “السادة” على نتيجة التعادل دون استشارة أي “قطعة” مهما علا شأنها وكانت قيمتها… وعادة ما تنتهي المواجهة بين “الكبار” بالمصافحة أو العناق والتهنئة فيما يرث “الجنود” الحقد والعداوة…

• لا يظفر المحاربون بأي مغنم ولا مقسم… كل الخراج تغنمه الأيادي المحركة والمختبئين خلف الستار..

فأختر لنفسك موقعا بين الذئاب إن كنت تروم خوض غمار الشطرنج أو السياسة…!!!

شاهد أيضاً

مـــن أجــــل تأسيـــس حركـــة وطنيــــة تصحيحيـــــة

عبد الرزاق كيلاني الحمد لله، في اليوم 13/11/2017 النهضــة: المشكــل والحــل بعد قرابة السبع سنوات ...

اترك رد