الأحد ، 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / غاندي… الغنوشي رمزية السلام ومحاذير الصدام

غاندي… الغنوشي رمزية السلام ومحاذير الصدام

بحري العرفاوي

تكريم الهند للأستاذ راشد الغنوشي هذه السنة بجائزة غاندي للسلام لها دلالات عدة وتأويلات شتى وتفتح على فرضيات كثيرة بحسب المحللين وأهوائهم وتوجساتهم.

أنصار الغنوشي يعتبرون الجائزة تتويجا لمواقف الرجل السياسية بعد 14 جانفي 2011 حين تفاعل مع المشهد الجديد بحكمة وهدوء ولم يغترّ بنتائج انتخابات التأسيسي ولم يأمر بانتقام رغم حالة الغليان والغضب لدى كثير من القواعد التي عانت الظلم والقهر والإذلال طيلة عقدين من الزمن وهم يعرفون جلاديهم ومن ضيق عليهم مسالك العيش ومن تتبع خطواتهم ومن وشى بهم ومن استغل وضعيتهم الأمنية لينال من كرامتهم وحقوقهم.

خروج النهضة من الحكم ـوبقرار من الغنوشي شخصياـ إثر اغتيال الزعيم اليساري شكري بلعيد لم يكن عملا بسيطا ولم يكن تحقيقه سهلا بالنسبة لحركة نالت ثقة الناس عبر الصناديق وشعرت بأنها تستعيد حقها المشروع الذي سُرق منها في انتخابات أفريل 1989 وتجد نفسها البديل الحقيقي عن نظام الفاسدين اللصوص، خروجها من الحكم كان أشد قساوة ومرارة من “تجرع السم” لقد قبلت بأن تكون في وضعية من أذعن لخصومه وقبل بشروطهم وهي وضعية مازال قادة النهضة يتعرضون بسببها للإنتقاد من قِبل قواعد الحركة يتهمونهم بالخوف والتردد والارتعاش،غير أن العقلاء يدركون أن البديل الوحيد عن الحوار هو “النار” وأن البديل الوحيد عن “التنازل” هو “التقاتل” وسيشهد التاريخ كما يشهد الآن شهداء الحق بأن حركة النهضة أنقذت البلاد من الأحزان المحققة وجنبت التونسيين ومؤسسات الدولة ما حلّ بأكثر من بلد شقيق حين فقد ساستُه عقولهم واستبدت بهم الغرائزية السياسية… وحدهم قصيرو النظر والأنانيون لا يريدون الإعتراف للنهضة بحكمتها ومزاياها.

خصوم الغنوشي الذين طالما اتهموه بالعنف وبمعاضدة الإرهاب سيجدون حرجا في أنفسهم كبيرا وسيتمنون لو أن الأمر لم يحصل فالجائزة هي بمثابة شهادة كبرى على براءة الرجل وعلى سلمية منهجه السياسي وهي تسفيه لكل ادعاءات خصومه عليه وربما اعتبروها تسويقا للرجل وتمهيدا لدخوله الرئاسية القادمة كمرشح قوي يحظى بصدقية لدى أكثر الأطراف الخارجية كونه يقود أكبر حزب منظم متماسك ومتحكم في خلافاته بآليات ديمقراطية وأخلاقية.

لماذ لم تحتف وسائل الإعلام الوطنية والخاصة بالحدث بالقدر الذي يليق به؟ أليس من تسلم الجائزة هو شخصية تونسية؟ أليس تكريم الرجل تكريما لمسار تونسي توافقي حواري سلمي؟ أليس في الجائزة رمزية عالية كي يتعلق التونسيون بمستقبل سلمي هادئ بعيد عن الصدام والعنف المادي واللفظي ؟.

جائزة غاندي للسلام ستكون عنوانا للغنوشي مستقبلا وسيحرص كما حرص من قبل على أن يكون منتجا للفكر المعتدل وللقيم الإنسانية وسيمسك أكثر بخيار التوافق بين كل التونسيين من أجل تونس ومن أجل الأجيال القادمة.

ولكن السؤال هل سيجد الغنوشي ظروفا محلية ودولية شبيهة بالتي وجدها غاندي حين شقت قيم السلام والمحبة والتضحية طريقها إلى قلب العالم ووجدانه فأنتجت انتصارا هادئا على الظلم والبطش؟.

إلى أي حد ستصمد نظرية “التوافق” وسيصمد سلوك “التنازل” أمام دعوات الإقصاء والاستئصال وأمام ممارسات لا علاقة لها بالديمقراطية ولا تفتح على التعايش والتعاون من أجل الوطن والمستقبل؟

يُخشى ألا تكون جائزة غاندي مساهمة في إنتاج “السلام” بل مُسرّعة لدعوات “الصدام” يستعجله من يخسرون دائما في أجواء الحرية والديمقراطية ولا “يربحون” إلا في أجواء الفوضى والعنف.

شاهد أيضاً

حين رأى خوفي واضطرابي

عبد اللطيف علوي حين رأى خوفي واضطرابي، أحسّ أنّها الفرصة المناسبة لاقتناص فريسته، قال لي ...

اترك رد