الجمعة ، 17 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / جائزة غاندي للسلام وحدود التوافق عند النخب “الحداثية”

جائزة غاندي للسلام وحدود التوافق عند النخب “الحداثية”

عادل بن عبد الله

في سياق غير مشحون إيديولوجيا، كنّا سنعتبر أن من نافلة القول التنصيص على أنّ تحصّل الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة على جائزة مؤسسة “جمنالال بجاج” للسلام هو حدث تونسي مفصلي، بل هو حدث عربي يتجاوز في رمزيته صاحب الجائزة وحزبه.

ولكن لمّا كنا نعيش في تونس -رغم التوافق، وربما بسبب هشاشة هذا التوافق- في وضعية صدامية كامنة حينا وجلية أحيانا أخرى، فإنّ تتبع ردود أفعال حلفاء النهضة في السلطة وخارجها، وكذلك ردود أفعال “خصومها/أعدائها” السياسيين والإيديولوجيين، سيكون مؤشرا ذا مصداقية على جدية التحولات الواقعية في آليات اشتغال المجال العام، بعيدا عن اللغة الخشبية المهيمنة على الخطابات “الرسمية”.

وليس يعنيني في هذا المقال البحث في دلالات هذه الجائزة الدولية وما تعكسه من “تثمين” لخيارات حركة النهضة ولأدائها، خاصة في فترات الأزمة المفتوحة على إمكانية الاحتراب الأهلي، ولا يعنيني أن أقف عند الرسالة التي تبعث بها أكبر ديمقراطيات العالم -وواحد من أكثر الاقتصاديات الصاعدة- بإسنادها الجائزة لأول مرة في تاريخها لشخصية عربية، بل لشخصية محسوبة على تيارات الإسلام السياسي المتهم في أرضه بالتورط في الاغتيال السياسي حينا وفي تبييض الإرهاب حينا آخر، ولا يعنيني أخيرا أن أناقش دلالات إهداء الشيخ راشد جائزته للشعب التونسي -وليس للنهضويين فقط- والتبرع بقيمة الجائزة المالية للهلال الأحمر التونسي.

إنّ ما يعنيني في هذا المقال هو الإجابة على السؤال التالي: كيف تعامل الفاعلون الجماعيون في تونس -من  مختلف القطاعات والمواقع- مع هذا الحدث الدولي، ولو شئنا صياغة السؤال بشكل مختلف لقلنا: إلى أي حد كشفت هذه الجائزة السقف الحقيقي “للتطبيع” مع حركة النهضة داخل الحقل السياسي وغيره من الحقول النقابية والإعلامية والجمعياتية، التي مازالت خاضعة لنخبة تعرّف ذاتيا بانتمائها إلى “العائلة الديمقراطية” أو إلى القوى الحداثية والعلمانية؟

من المنطقي، أننا لا نستطيع أن نلوم الجبهة الشعبية إن هي صمتت أو حتى شككت في قيمة الجائزة ورمزيتها. فالجبهة الشعبية بمكوّناتها اليسارية والقومية تعرف أنّ هذه الجائزة -في وجه من وجوهها- هي تبرئة دولية للنهضة ولشيخها من تهمتي الإرهاب ومن المسؤولية عن الاغتيال السياسي للشهيدين محمد براهمي وشكري بلعيد. ولعل ما يزيد في رمزية هذه الجائزة أنها تأتي من دولة تعاني من الإرهاب، ولا يمكن أن نتهمها بالتواطؤ مع حركات الإسلام السياسي أو بتوظيفها ضمن استراتيجياتها للهيمنة والتوسّع خارج فضائها الحضاري الأصلي. من أجل ذلك كله، فإنّ الجبهويين لن يتورعوا عن  بخس هذه الجائزة حقّها، وذلك حتى لا تتحول إلى “دليل” براءة لحركة مثّل “التناقض الرئيسي” معها جوهر الهوية السياسية للمنتمين إلى الجبهة، بل مثّل الصراع “الوجودي” معها -لا الصراع السياسي- أساس مشروعهم للمعارضة أو للحكم.

لكنّ ما يُربك في ردود الأفعال الوطنية تجاه هذه الجائزة ليس موقف القوى المعارضة -خاصة اليسارية منها- بل موقف طرفين كان من المفترض فيهما أن يتعاملا مع جائزة غاندي للسلام باعتبارها مكسبا لهما أيضا -بل مكسبا وطنيا- وليس مكسبا نهضويا محضا. أوّل هذين الطرفين هو الرباعي الراعي للحوار الوطني المتحصل على جائزة نوبل للسلام. فلا شك في أنّ جائزة “جمنالال بجاج” للسلام هي لحظة ثانية من لحظات التثمين الدولي لمسار الانتقال الديمقراطي، بل لمسار الاستثناء التونسي الذي استطاع أن يدير أزماته سلميا وبعيدا عن صوت السلاح. وهو مسار لم يكن لينجح لولا انتهاج الشيخ راشد مسلك التهدئة والابتعاد عن ردود الأفعال، ذلك المسلك الذي جنب البلاد منزلقات خطيرة، ولكنه كلّف الشيخ وحزبه جزءا مهما من القاعدة الانتخابية النهضوية، التي اتهمت الحركة بالانبطاح وبالخضوع لابتزاز الأقلية العلمانية، التي تشكلت من تحالف ورثة المنظومة القديمة مع اليسار الثقافي.

أما الطرف الثاني الذي يجعلنا موقفه من الجائزة نؤكد الصفة الصورية والهشة لمعنى التوافق، فهو الرباعي الحاكم، وخاصة حركة نداء تونس باعتبارها المسيطرة على الرئاسات الثلاث والمتحكمة في أغلب مفاصل الدولة. فموقف نداء تونس ورئاساته الثلاث لا يختلف في شيء عن موقف الأغلب الأعم من وسائل الإعلام الخاصة والعمومية، وكذلك لا يختلف عن موقف الجمعيات والمنظمات المدنية التي تسيطر عليها النخب “العلمانية” التي مازالت إلى الآن تعلن عداءها لحركة النهضة ولو من وراء ألف حجاب.

لقد كان من المفترض أن تؤكد الأطراف المشكلة للحكومة على البعد الوطني لهذه الجائزة، وأن يتخذوا هذا الحدث وليجة لضرب منطق الاصطفافات الأيديولوجية -على أساس التناقض الجوهري بين الإسلاميين والعلمانيين-، وهو منطق بائس مازال يحكم خطابات أغلب النخب العلمانية بما فيها تلك المنتمية إلى حلفاء النهضة في الحكومة. ولكنّ هذا الأمر يبدو بعيد المنال في سياق مازالت أغلب نخبه تمارس الفعل في المجال العام بمنطق “بافلوفي”، قائم على مضاددة النهضة وليس على اجتراح البدائل الواقعية التي تتجاوز مستوى الشعارات والصور النمطية المحكومة بالواقع النفسي لأصحابها، أكثر مما هي محكومة بقوانين الواقع وحركته الحقيقية.

تظهر جائزة غاندي للسلام أنّ التوافق والتطبيع مع حركة النهضة هما أمران يحتاجان إلى اشتغال أكبر -من طرف النهضة أولا، وثانيا من طرف المؤمنين بحقها في أن تكون جزءا بنيويا وثابتا في الحقل السياسي التونسي- وذلك حتى لا يكون التوافق وتجاوز منطق الإقصاء والإسلاموفوبيا مجرد مجاز لا إحالة له في الواقع، كما تظهر الجائزة أنّ أغلب النخب الحداثية مازلوا إلى الآن يرفضون التعامل مع “الإسلاميين” باعتبارهم جسما وطنيا وشريكا حقيقيا في إدارة الحقل العام، وفي القدرة على تمثيل تونس إقليميا ودوليا.

وهو أمر يجعلنا لا نتردد في اعتبار هذه النخبة عاملا من عوامل العطالة في تأسيس الجمهورية الثانية. فهي نخبة”لا وظيفية” مازلت تمارس نوعا من الارتداد الخطير نحو منطق الدولة الاستبدادية، ذلك المنطق الذي يعتبر الإسلاميين -بما في ذلك حركة النهضة- مجرد “ظاهرة مؤقتة” أو مجرد كيانات “لا سويّة” يجب التخلص منها لا بصناديق الاقتراع وإرادة الناخبين، بل بالحل الأمني وذلك لحماية الأسطورة التأسيسية الكبرى: “النمط المجتمعي التونسي”.

“عربي21”

شاهد أيضاً

مـــن أجــــل تأسيـــس حركـــة وطنيــــة تصحيحيـــــة

عبد الرزاق كيلاني الحمد لله، في اليوم 13/11/2017 النهضــة: المشكــل والحــل بعد قرابة السبع سنوات ...

اترك رد