الخميس ، 23 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / هل باتت الثقافة من عوامل التعرية ؟

هل باتت الثقافة من عوامل التعرية ؟

 نور الدين الغيلوفي

على هامش حفل افتتاح مهرجان أيّام قرطاج السينمائيّة

1. أثارت الصور المعروضة في يوم افتتاح مهرجان أيّام قرطاج السينمائيّة على صفحات التواصل الاجتماعيّ تفاعلات كثيرة لم تتعلّق بالأفلام ولا بنقدها، ولكنّها تعلقت بالصور الممهّدة للمهرجان المقدِّمة له.. فلقد انتخبت هيئة المهرجان لحفل الافتتاح نسوةً جيء بهنّ ليُستعملن في تدشين الفرجة باستعراض لأجسادهنّ تناقلته وسائل الإعلام.. لقد جيء بهؤلاء النسوة ليعرضن بضاعتهنّ المزجاة على المشاهدين وعلى كلّ الذين تصلهم الصورة عبر الشاشات المختلفة.. فبدت العارضات كما لو كنّ يعوّضن للجمهور عجزه عن حضور العروض السينمائية بسبب البعد أو الحاجة أو لغيرهما من الأسباب.. فما دامت السينما فنّا غير مشاع للعموم فليس أقلّ من أن تشاع أجساد النساء في بلد يتبجّح بتحرير النساء.. ولقد أعدّت هيئة المهرجان هذا الحفل الاستعراضيّ “البهيج” لتُبهر الأجانب باللحم التونسيّ الحديث ولتغزوَ الجمهور التونسيّ الذي لم تحدّثه نفسه بغزو قاعات العروض السينمائيّة، في عقر داره.. ولقد راحت النسوة اللائي جيء بهنّ يقدّمن للمشاهدين البعيد والمستبعَد وجبة مجانية من أجسادهن التي أتت عليها كثرة الاستعمال فبدت أشبه بخرق بالية لم تجد هيئة المهرجان أليق بها من حُفَرٍ زُرعت تحت السجّاد الأحمر لاصطياد الكعاب بغية الإيقاع بهنّ من كعوبهنّ ممّا يذكّر بلعبة الكعب العالي الإلكترونية الشهيرة.. فكنتَ ترى الحسان وهنّ يتساقطن تباعا كأنّهن يوقّعن بأقدامهنّ الملتوية النسخة الأخيرة للمهرجان الدوليّ الشهير…

2. ليست لديّ مشكلة مع تعرية الأجساد، ولكن التعرية قد تكون ذات معنى متى كانت وظيفية يقتضيها العمل الفنّي ويستدعيها مطلب الجمال، وما لم تكن عملا مجانيا يستهدف إثارة الغرائز بما يستفزّ الذوق العام ويخدش ما تبقّى من رصيد الحياء داخل المجتمع، وبين عناصر الأسرة الواحدة.. فالأعمال الفنية السينمائية أو المسرحية غالبا ما تتحوّل إلى أعمال تلفزيونية تشاهدها العائلات في بيوتها.. ونحن في تونس لا تزال غالبيتنا العظمى تنتمي إلى مجتمع تقليديّ تمثّل الأسرة قاعدة له وإن حدّثنا “المستشرقون المحليّون” عن “النمط” وطقوسه ومقتضياته.. وللأسرة في ثقافتنا حدود وقيود لا أرى أنّنا، بعدُ، في وارد تحطيمها والخلاص منها.. وحين ترى مخرجا سينمائيا معروفا يجول بين العارضات كالمهرّج يتشمّم صدورهنّ بعينيه الذابلتين يدعوهن إلى مزيد تعرية ما لديهنّ قائلا في بعضهن بلسان فرنسيّ ركيك “très bonne qualité”.. ومعاتبا إحداهنّ بلهجة عاميّة بليدة “شيء!.. أنتِ غطّيت ياسر.. مسّطتها أنتِ”.. وقال في صورة الكاهن الواعظ “كي الواحد يبدا عندو حاجة باهية يلزمو يظهّرها” !.. حين ترى ذلك المخرج المهرّج تعلم أنّ ما بهذه البيئة هراء لا فنّ فيه ولا صلة له بالجمال.. لأن الفن، في أساسه، احترام لإنسانية الإنسان بعيدا عن منطق السلعة الذي كان يصدر عنه المخرج المعروف.. ولمّا كانت المرأة خلاصة الخلق وعنوان جماله وسرّ جلاله فهي أعظم منزلة من جسد جميل يُستعمل في استفزاز غرائز المكبوتين وإثارة عقدهم…

3. السينما فنّ أساسه الصورة.. إنّها فن السمع والبصر والفؤاد.. وكلّ أولئك كان عنه مسؤولا.. ولمّا كان هذا الفنّ موصولا بحكم خصائصه بمختلف الشرائح الاجتماعيّة والثقافية، فهو أداة هامة من أدوات التغيير الاجتماعي، ووسيلة من وسائل تنمية الوعي الثقافي متى أريد له أن يكون أداة تنتصر للعقل وتدعو إلى التحرّر الوطنيّ وتعمل على تنوير المجتمع.. غير أنّ هذا الفنّ قابل لأن يُستخدَمَ استخداما سيئا وأن يكون سلاحا مدمّرا، وأن يُستعمَلَ أداة طيِّعة من أدوات الإعلام التابع لأنظمة الاستبداد ولمنظومات الفساد.. وبذلك يصبح فن السينما متى أخضعته السلطة قوة خطيرة ومضللة تعمل على تأبيد الاستبداد وتطبيع الفساد.. ووسيلة من وسائل العولمة المتوحّشة لاختزال المرأة في جسد يُستعمل ضمن صلوحية محدودة.. وتلك كانت رسالة المخرجين السينمائيين المعروفين في عهد ما قبل الثورة.. لمّا كانت وزارة الثقافة تغدق على هؤلاء الأشباه أموالًا طائلة منتهضبة من قوت الشعب ليغرقوا البلاد في الغثاء ونشر أسباب الوباء…

4. لقد كتب الناقد المغربيّ المخرج حسن بنشليخة مقالا بيّن فيه كيف انتزعت السينما الإيرانية احترام العالم.. وذهب إلى اعتبارها أهمّ سينما وطنية في العالم.. فرضت نفسها في أقل من عشرين عاما على المهرجانات الدولية.. لقد اكتسبت السينما الإيرانية فرادتها من تملّكها لمفاتيحها ومراجعها ولجماليتها ومؤلفيها ومن نجاحها في أن تعبّر أحسن تعبير عن المجتمع المدني الإيرانيّ.. وذلك على الأرجح، ما جعلها تحظى بتقدير غربيّ واسع أهّلها لحصد جوائز دولية كثيرة.. ولمّا كانت إيران قد عملت على تطوير الفن السينمائي ليكون في خدمة التربية والأخلاق والهوية الوطنية واحترام الشعب وثقافته ومراعاة المزاج العامّ، فقد أخذت السينما تشقّ طريقا متميّزا في المجال الإيراني بعيدا عن التبعيّة والاستلاب.. وقد مكّنت بنهجها المخصوص أبناء المجتمعات الأخرى من الاطّلاع على ثقافة المجتمع الإيراني، ومن ثمّ احترامه واحترام تقاليده التي تثبت أنّ له لونا مختلفا عن ثقافة الهيمنة التي يراد لها سحق غيرها من الثقافات.. وفي مقابل ذلك انتقد الناقد المغربي السينما ببلاده واعتبر أنّها في أزمة.. وتتمثل أزمتها، حسب رأيه، في تبنّي بعض المخرجين المغاربة لسينما العولمة وانجرافهم وراء “موجة شرسة من أفلام الشذوذ واللواط والكلام السافل الذي يبعث على القيء.. تقصف الجمهور بإباحيتها وسطحيتها وتكرارها وبأسلوبها المترهّل”.. وما قاله المخرج المغربي عن المهرجان الدولي للفيلم بمراكش يصدق على مهرجان قرطاج السينمائي.. فهو مجرد موسم كرنفالي يهتم بالمظاهر الاستعراضية ويتحمل سداد تكاليف دسمة سرعان ما تتلاشى في الفضاء ولا تعود بأيّ جدوى على السينما لأنّها لا تخدم رسالة حضارية ولا تعبّر عن قيم ثقافية ولا تحمل معالم فنية ولا تحقّق فائدة للبلد والمجتمع.. وقد رأى أنّ العديد من الأفلام المغربية إنّما تخلق حالة من الاشمئزاز.. إذ هي، “أفلام إباحية في شكلها، وفارغة في محتواها، ومريضة في لغتها، تريد أن تعلّم أجيال اليوم الكلام الساقط وهزّ البطن وتحاول نشر العامّيات التي تشل قوة التفكير وتقتل كل القيم في المجتمع”.. كما تهدف هذه الأفلام، حسب بنشليخة، إلى “تغييب العقل وتسفيه قضايانا وتراثنا.. إذ تطبعها السلوكيات غير الأخلاقية والمشاهد الإباحية الجنسية التي تنال من القيم والأخلاق.. ويتهم القائمون على هذه الأفلام المدافعين عن قيم المجتمع وأخلاقياته بالتعصب والانغلاق وضيق الأفق وعدم امتلاك النظرة الإنسانية المتسامحة…

5. لقد راحت نخبتنا المستولية على الدعم الثقافي داخليا وخارجيا تمارس رياضات بهلواينة تدعوها ثقافة فتنتج للبلاد أعمالا درامية تسميها أفلاما اختارت لها الحمّامات الساخنة أمكنة وأعمال الاغتصاب مواضيع.. وحمّلها صانعوها عقدهم الجنسية وأزماتهم التربوية واختلالاتهم الذهنية.. بعيدا عن هموم الإنسان وهواجس المجتمع الثقافية وأشواقه المعرفية ومطالبه الجماليّة.. لقد تركت دولة الاحتلال الفرنسي في أرضنا نخبة عفنة اختارت الحضيض لها ميدانا وسوّقت لنا مواضيع صوّرت مجتمعنا كما لو كان لا همّ له سوى الجنس ولا إنتاج له سوى الرداءة ولا هاجس له غير متابعة التعرّي.. وقد كان يمكن لفنّ السينما، لو تصدّى له مثقّفون أسوياء يحملون همّ الوطن ويتبنّون هواجس الإنسان، أن يكون عنوانا من عناوين التربية.. ينتج لنا ثقافة وطنية أصيلة تجعلنا قبلة لطالبي الثقافة وقاصدي الجمال ويحمل غيرنا على احترمنا وتقدير إبداعنا.. أمّا ما نراه من منجَز سينمائيّ فلا يعدو أن يكون نسخا مشوَّهة لمسوَّدات السينما الفرنسيّة التي لا حظ لها في المشهد السينمائيّ العالميّ.. إنّ السينما التونسية لا تبشّر بغير الجسد موضوعا للاشتهاء.. والعراء الذي يقف عنده مخرجونا ليس سوى منتَج عولميّ تمتلئ به الأسواق ولكنّه لا يقدّم نفعا ولا يصنع ثقافة…

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد