الجمعة ، 17 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / عَبْقريّةُ المُكافأة

عَبْقريّةُ المُكافأة

عبد القادر عبار

قرأت أن خطّاطا سوريّا، تمكّن من حياكة سُوَر القرآن الكريم كاملا، بالإبرة والخيط المُذهّب، واستغرق عمله ذلك، ثمان سنوات كاملة !!
الذين نقلوا الخبر، انبهروا بالرجل، واستحسنوا عمله وباركوه، ورأوا فيه بطولةً وتحطيمًا لرقم قياسي لم يسبقه إليه أحد !! وخدمةً جليلة لكتاب الله تعالى، مثلما انبهر قبلهم، آخرون، بمن كتب المصحف على بيضة، وبمن أنجز كتابة أكبر مصحف.. والقائمة تطول.. ونحن لا نبخس هؤلاء حقهم علينا من الشكر والتشجيع والمباركة.. في الإبداع.

لا جدال في أن التعامل مع المصحف هو من أجلّ الطاعات والقربات : كتابةً، أو رسمًا، أو طباعة ً، أو زخرفة، أو تلاوةً، أو حفظًا، أو تعليمًا، أو تفسيرًا.. ولكن..؟
قديمًا، وفي غياب الطباعة الآلية، كان نَسْخُ المصحف باليد مطلوبا وضروريا لتوفيره للناس حتى يقرؤوا ويتعلموا.. أما اليوم فما تخرجه المطابع الحديثة من نُسَخ متنوعة الأحجام، وفي غاية الروعة والإبداع : خطًّا وزينة وإخراجا، يغني عن الحاجة إلى تكلّف كتابته باليد، التي تستهلك وقتا طويلا، وجهدا كبيرا، تحتاجه الأوطان الإسلامية لتحقيق الإنتاجية في مجالات حياتية هامة، وتنموية متعددة.

– ما ينفع وطنًا كسوريّة، (فالرجل سوري)، وهي تحت الرّدم والقصف والتهجير، إهدارُ 8 سنوات في انجاز مصحفٍ منسوج بخيوط ذهبية، سيوضع في متحف وينساه الناس ؟

ولهذا كان موقف أحد الحكام المسلمين عجيبا مع بعض المبدعين، في غير ما ينفع الأمة، فقد قيل له إن مواطنا من الرعية يستطيع أن لا يخطئ في إدخال 10 اِبَر في ثقب بعضها البعض، في وقت قياسي.. فاستدعاه، ولما استفسره، قال الرجل : إني أستطيع أن أعمل عملاً يعجز عنه كل الناس. فقال الأمير : هات ما عندك. فأخرج الرجل علبة فيها كثير من الإبر، فغرس إحداها في الأرض، ثم أخذ يرميها إبرة إبرة، فتشبَك كل إبرة في ثقب الإبرة التي سبقتها. ثم وقف الرجل مزهوًّا بما أبدع، وانتظر من الحاكم جائزة سمينة، فنظر إليه الحاكم مليًّا، ثم اتخذ قرارا عجيبا! أمر بضرب الرجل مائة جلدة عقوبةً، مع منحه مائة دينار مكافأة!… اندهش الحاضرون لموقف الأمير فقال لهم: أعطيته مائة دينار تقديرًا له على حِذقه ومهارته وإبداعه. وضربته مائة جلدة، لأنه صرف ذكاءه فيما لا يفيد، وأهدر طاقته فيما لا ينفع الناس.

وبهذا يكون عبرة لغيره في فِقْه وحسن توجيه واستثمار إبداعهم ومهاراتهم.

شاهد أيضاً

هل يقبل القوادون برفع الوصاية عن المساجد ؟؟

الأمين البوعزيزي • على مدار عقود طويلة مارست مقرات حزب الحاكم اللصوصية (عدم خلاص فواتير ...

اترك رد