الخميس ، 23 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / السينما التونسية.. حرية، أم مؤامــرة لتدميـر المجتمع ؟!

السينما التونسية.. حرية، أم مؤامــرة لتدميـر المجتمع ؟!

محمد المولهي

على هامش أيام قرطاج السينمائية وبعيدا عن فوضى الافتتاح ومشاهد العري واستعراض الجواري على البساط الأحمر. فإن نظرية المؤامـرة لم تعد تصلح لشيء.. جربناها مراراً وتكراراً، وجعلناها الشمّـاعة الجاهزة التى نعلق عليها كافة مصائبنا وهزائمنـا وفشلنا في فترة البناء للدولة الحديثة بعد حقبة الاستعمار كما تواصلت في ما بعد الثورة.. وأصبحــت حتى على مستــوى العقــل الجمعــى مرفــوضة من الكثيــرين، أزعم أننى واحد من بينهم.

إلا أن هنــاك مواقف مــا ولحظــات ما فارقة، تقف مشــدوهاً عاجزاً عن تفسيــر بعــض الظواهر حولك، ولا تجد ســوى (نظرية المؤامــرة) لمحــاولة إلقــاء عبء التفسيــر عن عقلك..

الحـقيقة ان السيــل بلغ الزبــى، ولم يعــد فى قــوس الصبــر منزع كمـا يقول العــرب القدامى.. والخطــر أصبح قائمــاً وحقيقيــاً يطــرق الأبواب بعنــف، ويهــدد استقــرار الوطن، وليس مجــرد شبــح يلوح من بعيــد..

لأول مــرة أستسلم عقليــاً، وأقولها عن اقتنـاع كامل لأنه لا يوجــد تفسيـر واحد منطقـي.

نعم، نظرية المؤامــرة فى هذه الحـالة، صحيــحة.. وموجــودة.. وحقيقيــة !

السينمـا التونسية كمثـال لا يفرق كثيرا عن السينمـا العربية.

“حمّام”.. أسطح.. سكّيــر يعاني مشاكل اجتمـاعية.. يصارع الحيــاة.. يلعب القمــار.. حانة تتراقص فيه راقصــة عارية بدينة.. وخمرة تسكب في أكواب. ونصف مشهد جنسي في غرفة نوم… سيارة تنفجــر.. أغنيــة رديئة غير مفهــومة ومشحونة بالإيحاءات الجنسية. من هنا يمكنــك أن تفهم كيفيــة صناعة الفيلم التونسي من خلال المقـال :

سبعة مشــاهد يجب أن تجــدها فى أي فيلم تونسي منذ نصف قرن تقريبا تمول من ميزانية وزارة الثقافة او من القنوات الغربية السخية والوفية لجنودها من بني جلدتنا ! الذين انخرطوا في مشاريع مقاولات المسخ الثقافي… كان عليا أن أكون واقعيا ملما بمسار ونسق هذا النهج ومن خلال المتابعة لمضامين هذه الدورة تواجدت في القاعة يوم الاثنين لمشاهدة شريط وثائقي للمخرجة التونسية كوثر بن هنية بعنوان “زينب لا تحب الثلج”… نهاية الشريط بكلمات مشفرة (j’étais obsédé par la Tunisie et dieu maintenant non plus ).

كلمات تهتز اليها أرجاء القاعة بالتصفيق !! بعيدا عن الرابط بين نهاية الشريط وهذه الكلمات التي تستهدف الاستلاب والضياع والتنكر للوطن والهوية والقيم الدينية، أصبح شبه طبيعــي وشبه مألـوف.. ميـزة هؤلاء القوم أنهم يقدمون كل هذا الهراء بشكــل شديد المــلل والغباء، ممـا يجعل مُعظم الجمهــور يعزف عن مشــاهدة هذه النوعية من الأفلام، رغم أنها تحاصرنا فى كل مكــان.. وعــادة لا يشـاهدها الا أخــف النــاس عقلاً.

ولكــن مؤخراً، بدأ المنحنــى يتخــذ طابعاً مريبـاً جداً أكثر خطــورة بكثيــر.. بشكــل يجبــرك على إعادة التفكيــر مرة أخرى :

هل ما يحــدث طبيعي فعلاً ؟.. هل هذا نتــاج حركــة السوق الفنــى والذوق المجتمعــى الهــابط والتراجع المُزري فى صناعة السينما العربية عموما والتونسية خصوصا..

أم أن هنــاك منهجيــة وخطــة مدروســة لهــا غاية وأهداف ووسائل، يتم التأثيــر من خلالها على الجمهــور واعادة تشكيــل وعيــه من جديد ؟

لدينـا هنـا مجمـوعة من الأمور يجب أن تضعها فى اعتبـارك :

أن أغلبيــة المشاهدين من الشبــاب والمراهقيــن.. وأن عدد هائل من الشبـاب العربي يعاني البطـالة.. وعدد هائل من الشبـاب أعزب غير متــزوّج.. وعدد هائل من الشبـاب ا يعــاني مشــاكل الفقــر.. التعليم مُتــواري بشكــل مُفجع.. حركة الرقــابة غيــر موجودة نهائيـاً على المستــوى المجتمعــى.. وشبه غائبة على المستــوى الأســرى..

الشبــاب عادة يميــل الى المــواد المرئية أكثر من المقروءة.. لذلك، فمتابعة الأفــلام (حتى بشكـل غير قــانوني بتحميلها عبر الانترنت وخلافه) من أهم وأبــرز أولويــات الترفيه بالنسبة للشــاب..

ضـع هذه المُعطيــات أمــامك وأنت تقــرأ السطــور القادمة..

كل هذه الأفـلام ظهــرت فى توقيــت من المفـترض أنه موعد بدء الإنطـلاق الى بنــاء المجتمعــات العربية بشكــل قوى قائم على الحــرية المُرشّدة والتعليم والأخلاقيــات الرفيعــة، بعد اندلاع ثورات التحرير..

كل هذه الأفلام موجهــة لمجتمعــات كـانت ومازالت فى أغلبيتها تستمــد أخلاقياتها ومبــادئها من الدين والعادات والتقاليــد الرفيعـــة..

كل هذه الافلام تخــاطب غرائــز التمــرد على الإطــار المجتمعــى والأخلاقي والعقــائدي والفكــري والدينــي..

كل هذه الأفــلام تظهــر فعلاً فى فتــرة سيــادة الفــوضى فى أغلب المجتمعــات العربيــة، ووسط أزمـات طائفيــة وأخلاقيــة، وبــؤر توتــّر مستمــرة على المستوى الاجتماعي والنفســي والإنســاني.. فتصــب مزيداً من الزيت المغلــي على النار المشتعلة..

كل هذه الأفــلام موجّهــة للشبــاب والمراهقيــن الذين ستقوم على أكتافهم فكــرة البناء..

كل هذه الأفلام موجّهة للشباب فى فترات الانفلات الأمنى والأخلاقي، حتى أصبحت أخبــار التحرش الجمـاعي والاغتصــاب والقتــل أمراً معتــاداً..

هذه الأفلام بعضها موجّه بشكــل لطيــف متعاطف (الملحد – الشذوذ، الخ) وهو ما يجعــل الفكــرة مقبــولة لدى بعض الشبــاب الجاهل المندفع.. وبعضها موجّه بشكــل يبدو نـاقداً لأمــور معيّنــة، ولكــن المعنــى فى بطن الشــاعر يقــول (استمتعــوا بالرذيلة والانحطــاط !).. وهو ما يجعــل الفكــرة مقبولة أيضاً لبعض الشبـاب، باعتبــار أنها تُنــاقش فى السينمــا التى تشــرف عليهــا وتمولها من جيوبنا إذا كنــت لاحظــت كل هــذه الأمــور، ومع ذلك لم تشعــر بقلق.. أو لم تشعــر بـأن (ثمــة شيء مــا غريب يحــدث هــاهنــا).. فأنت تعيش فى عالم آخر..

هنـا يبـرز سؤال مُلحّ يسأله بعض المنحـازين لمفهـوم الحريــات المُطلقة :

الغــرب لديهم أســوأ مليون مــرة من هذه الأفــلام.. ومع ذلك لا توجد كل هذه المشـاكل بشكـل ظاهــر ومنتشر ؟

صحيح، لكن هذا الغــرب الذي دأب بعضنــا على تسميته بالغرب الملحد الصليبي الحقيــر الإبــاحي وغيرها من المسميـات المتشنجة، عندما يعرض فيلم أي فيلم على أي قنــاة مشفرة أو غيــر مشفــرة، يجب أن يشير فى برامجه المكتوبة والمعلنة مليــون مرة تصنيــف هذا الفيلم.. مسموح للمشـاهدة لكل افراد الاسرة.. فوق 14 سنة.. فوق 16 سنة.. فوق 18 سنة.. يحتــاج لإرشــاد أســري، وهكــذا..

وهذه النقطــة الأولى ..

النقطــة الثـانيــة والأهم أن لديهــم نظــام تعليمــي توعــوي قــوى ومتمــاسك، ونظــام أمنــى ومجتمعــى قوي، يحــارب أي خــروقــات من أي نــوع لأي حالات هرج ومــرج واعتداءات يقــودها شبــاب أرعــن، أو مراهقــين غير ناضجيــن..

هل هــذه الامــور موجودة فى مجتمعــاتنا الآن ؟

هــذه الأفــلام كلها ظهرت ووجّهـت للشباب والمراهقين فى ظــل تراجع حاد مخيــف فى التعليم والإرشــاد التــربوي والإنضبـاط الأمنــى.. ممــا يجعــل محــاربة هذه الأفكــار اســريــاً وداخليــاً، كمن يحــارب تنيــناً عملاقاً بسكين بدائي..

ويجعل السـؤال المنطقي يتبـادر فى الذهن :

هل فعـلاً الأمر نتــاج حركة عبثيــة فى الانتاج السينمـائي الذي يركـز على المحتوى الفني الهابط والمواضيع الهامشية ؟.. ام أن المــوضوع بالفعل يحمـل بين طيّــاته مؤامــرة مــا تدفع المنطقة الى المزيد من الإنهيــار، بإعتبــارها تضــرب المجتمــعات فى مقتلــها (الشبـاب).

إذا كـان الامـر وراءه مؤامـرة، فتلك مصيبــةٌ.. أما إذا كان الامــر إفرازاً طبيعيـاً لمفهوم الفــن فى السينمـا، يؤمــن القائمـون عليه أن هذا فــن حقيقــي وهادف.. فالمصيبــةُ أعظــمُ !

كل ما أعرفــه أن الأمـر لو استمـر بهذا الشكـل، فى ظل انهيــار التعليم والثقافة، وتغــوّل فكـــر (الارهاب والبلطجة – الجنــس – الإلحــاد – تعاطي المخدرات – الشذوذ – إهــدار القيم والأخلاقيــات – الخ)، مع غيــاب كـامل للإنضبــاط الأمنــى والتوعية التعليمية والترشيد المجتمعــى..

فأعتقــد أن السنــوات المقبلة ستشهــد قدراً هائلاً من ”المرح” فى مجتمعــاتنا العربيــة، أكثــر بكثيــر من المرح الذي نشهــده فى هــذه الأيــام السوداء التي انتشرت فيها الدوعشة علي كل المستويات.

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد