الخميس ، 23 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / استبعاد القضاة: اجراءات مجهولة في مسار العدالة الإنتقالية ؟!

استبعاد القضاة: اجراءات مجهولة في مسار العدالة الإنتقالية ؟!

أحمد الرحموني

رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء

ربما لم يسمع الكثير بان قانون العدالة الانتقالية في تونس قد نص -من جملة الاختصاصات المسندة لهيئة الحقيقة والكرامة- على إحداث لجنة يطلق عليها “لجنة الفحص الوظيفي وإصلاح المؤسسات” (الفصل 43 رابعا من القانون الاساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 والمتعلق بارساء العدالة الانتقالية وتنظيمها)، وطبق ما ماتضمنه ذلك القانون تم بمقتضى القرار عدد 1 لسنة 2014 المؤ ّرخ في 22 نوفمبر 2014 والمتعلق بضبط النظام الداخلي لهيئة الحقيقة والكرامة بيان تركيبة تلك اللجنة وسير اعمالها.

1. فمن جهة المهام الموكولة للجنة الفحص الوظيفي واصلاح المؤسسات :

يتضح من القانون المنظم للعدالة الانتقالية والنظام الداخلي لهيئة الحقيقة والكرامة تحديد جملة من المهام العامة لتلك اللجنة التي تستهدف “اصلاح المؤسسات” اضافة الى مهام خاصة هي بمثابة الآليات التي تجسم “الفحص الوظيفي” للمؤسسات الخاضعة للاصلاح.

أ. فمن جانب المهام العامة :

تختص اللجنة بتقديم مقترحات وتوصيات تهدف إلى :
ـ تفكيك منظومة الاستبداد والفساد وانتهاك حقوق الإنسان،
ـ إصلاح المؤسّسات المتورّطة في الفساد والانتهاكات،
ـ إرساء آليات منظومة دائمة تهدف إلى تجنيب مؤسّسات الدولة اقتراف أيّ انتهاك لحقوق الإنسان أو التغاضي عن الفساد مهما كان مأتاه.
– غربلة الإدارة وكل القطاعات التي تستوجب ذلك.

ومن الواضح ان المقصود بالاصلاح هي مؤسسات الدولة والادارة والقطاعات او المرافق المرتبطة بها وهو ما يشير بالتحديد الى الوظائف العامة (ولو ان بعض التجارب المقارنة قد اقرت اخضاع بعض المهن الحرة الى اجراءات الاصلاح كالمحاماة على سبيل المثال).
ولا شك ان القضاء -بمختلف مؤسساته ووظائفه واشخاصه- هو من ضمن مؤسسات الدولة بل يفترض ان يكون من بين سلطاتها وهو بهذه الصفة يخضع لمقتضيات الاصلاح التي تتضمن:

اولا – الكشف عن مواطن الفساد (التدخلات في الاجراءات القضائية – الفساد المالي…) والانتهاكات المسلطة على حقوق الانسان (الاحكام الجائرة – المحاكمات غير العادلة …الخ)
وثانيا – تفكيك منظومة الفساد والقمع والاستبداد ومعالجتها بشكل يضمن عدم تكرار الانتهاكات واحترام حقوق الإنسان وإرساء دولة القانون. (الفصل 14 من القانون الاساسي عدد53 لسنة 2013).
وثالثا – مراجعة التشريعات وغربلة مؤسسات الدولة ومرافقها ممن ثبتت مسؤوليته في الفساد والانتهاكات وتحديث مناهجها وإعادة هيكلتها وتأهيل أعوانها (الفصل 14 المذكور).
ويشار الى ان النتائج المترتبة عن عمل “لجنة الفحص الوظيفي واصلاح المؤسسات” تندرج ضمن تقرير خاص تعده هذه اللجنة وتقرير ختامي تعده هيئة الحقيقة والكرامة عند الانتهاء من مهامهما ويشملان “التوصيات والاقتراحات المتعلقة بالإصلاحات السياسية والإدارية والاقتصادية والأمنية والقضائية والإعلامية والتربوية والثقافية وغيرها التي تراها (اللجنة والهيئة) لتجنب العودة إلى القمع والاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان وسوء التصرف في المال العام”.
ويتم احالة التوصيات النهائية من قبل مجلس الهيئة الى الجهات المختصة (الفصلان 43 و 67 من القانون الاساسي عدد 53 لسنة 2013 الفصلان 16و23 من النظام الداخلي لهيئة الحقيقة و الكرامة).

ب. اما من جانب المهام الخاصة
يمكن ان تتولى اللجنة :

اولا – اصدار توصيات للجهات المختصة تتعلق “بالاعفاء او الاقالة او الاحالة على التقاعد الوجوبي في حق كل شخص يشغل إحدى الوظائف العليا بالدولة بما في ذلك الوظائف القضائية” (الفصل 43 من القانون الاساسي عدد 53 لسنة 2013) وهي مقترحات تتعلق بغربلة مؤسّسات الدولة ومرافقها المتورّطة في الفساد والانتهاكات (الفصل17 من النظام الداخلي المذكور).
غير ان البعض يتجه الى التفرقة في هذا السياق بين الغربلة والتطهير حيث تتضمن الأولى تقييماً لكل حالة بمفردها ولمدى أهلية الشخص لمنصبه استناداً لسلوكه الفعلي (وهو ما يتطابق مع خصائص الفحص الوظيفي)، فيما ينزع التطهير إلى إقصاء الأشخاص عن مناصبهم، استناداً لعضويتهم في جهات سيادية (ومن ضمنها القضاء)، ويبدو ان التطهير يتضمن مفهوما قديما للإصلاح المؤسسي في حين ان الغربلة تمثل الية جديدة للاصلاح.
وفي ضوء ذلك يبدو ان القانون المنظم للعدالة الانتقالية قد تجنب استعمال اصطلاح “التطهير” رغم انه اقر امكانية استبعاد القاضي الذي يشغل احدى الوظائف العليا للدولة (سواء بالاعفاء او الاقالة اوالاحالة على التقاعد الوجوبي) بناء على اقتراح صادر من لجنة الفحص الوظيفي واصلاح المؤسسات.
ولعل التنصيص بصفة صريحة على غربلة القضاء يجد تبريره في ارتباط النظام القضائي قبل الثورة بانتهاكات حقوق الانسان وضرورة اخضاع المؤسسة القضائية لإجراءات الإصلاح المؤسسي ضمانا لنجاح المرحلة الانتقالية.
لكن خطورة تلك الاجراءات -التي عرفت ممارسات مخالفة للمبادئ والضمانات في “محنة الاعفاءات القضائية” على عهد وزير العدل الاسبق نور الدين البحيري- تجرنا اساسا الى التساؤل عن شروط الاقتراح بالاعفاء او الاقالة او الاحالة على التقاعد الوجوبي وعن الضمانات التي نص عليها القانون المنظم للعدالة الانتقالية ؟
ا- فمن جانب الشروط الموجبة للاقتراح نص القانون (الفصل 43 من القانون الاساسي المذكور) على امكانية التوصية باستبعاد القاضي اذا تبين انه :

أ. قدم تقارير أو معلومات للتجمع الدستوري الديمقراطي المنحل أو البوليس السياسي نتج عنها ضرر أو انتهاك على معنى هذا القانون، وهو ما يقتضي اثبات كتابة التقارير او تبليغ المعلومات التي يجب ان تؤدي الى الحاق الضرر وحصول الانتهاك بحق الاشخاص المعنيين. وهي حالة مقيدة بالاثبات المباشر اعتمادا اما على ارشيف التجمع او ارشيف البوليس السياسي.

ب. قام بعمل عن قصد نتج عنه مساندة أو مساعدة للأشخاص الخاضعين لأحكام المرسوم عدد 13 لسنة 2011 في الاستيلاء على المال العام، ويتعلق الامر بحالة خاصة يمكن ان يثبت فيها تشجيع القاضي او مساعدته (بالحكم – بالمشورة – بالتوجيه) للاشخاص المشمولين بالمرسوم عدد 13 لسنة 2011 المؤرخ في 14 مارس 2011 والمتعلق بمصادرة أموال وممتلكات منقولة وعقارية بقصد الاستيلاء على الاموال العامة.
ويشار الى ان الاشخاص الخاضعين لاحكام المصادرة “هم الرئيس السابق للجمهورية التونسية زين العابدين بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي وبقية الأشخاص المبينين بالقائمة الملحقة بمرسوم المصادرة وغيرهم ممن قد يثبت حصولهم على أموال منقولة أو عقارية أو حقوق جراء علاقتهم بأولئك الأشخاص” (الفصل 1 من المرسوم عدد13 لسنة 2011).

ت. ثبتت مسؤوليته في الانتهاكات على معنى القانون الأساسي عدد 53 المؤرّخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بارساء العدالة الانتقالية وتنظيمها والقانون الأساسي عدد 17 لسنة 2014 المؤرّخ في 12 جوان 2014 المتعلق بأحكام متصلة بالعدالة الانتقالية وبقضايا مرتبطة بالفترة الممتدة بين 17 ديسمبر 2010 و28 فيفري 2011 (الفصل 43 من القانون الاساسي عدد 53 لسنة 2016 – الفصل 17 من النظام الداخلي). وهي حالة اكثر اتساعا يمكن ان تشمل مسؤولية القاضي عن “كل اعتداء جسيم أو ممنهج على حق من حقوق الإنسان” (الفصل 3 من نفس القانون) طبق التشريع المتعلق بالعدالة الانتقالية.
ويذكر في هذا السياق ان القانون الاساسي المتعلق بارساء العدالة الانتقالية وتنظيمها قد حجر على القضاة المشاركين في محاكمات ذات صبغة سياسية الترشح لعضوية هيئة الحقيقة والكرامة (الفصل 22) او الانتساب للدوائر القضائية المتخصصة في العدالة الانتقالية (الفصل 😎. وهو ما يطرح اشكالات عديدة في تتبع القاضي لمجرد جلوسه او مشاركته في احدى القضايا ذات الصبغة السياسية.

ب. اما من جانب الضمانات القانونية، فقد نص النظام الداخلي لهيئة الحقيقة والكرامة على عدد من الضمانات الاجرائية التي تتولاها “لجنة الفحص الوظيفي وإصلاح المؤسسات” قبل اصدار مقترحاتها وهي اساسا (الفصل 18) :

– ضرورة الاستماع الى المعنيين بالامر بصفة شخصية بعد استدعائهم. غير ان عمل اللجنة لا يتوقّف على حضور المطلوب بعد التنبيه عليه في أجل خمسة عشر يوما من تاريخ استدعائه. ومقتضى ذلك ان امتناع القاضي عن الحضور بعد استدعائه والتنبيه عليه لا يمنع اللجنة من النظر في الملف واصدار الاقتراح بشانه.
– تمكين المعنيين بالامر من حق الدفاع والرّد وذلك في أجل أقصاه ثلاثون يوما من تاريخ الطلب. مع امكانية التمديد للمعنيين في اجال الرد.
– الحقّ في الاستعانة بمحام.
– ضرورة ان تكون التوصيات الصادرة عن اللجنة في حق المعنيين بالامر موضوع تقرير معلّل يتضمّن الأسانيد الواقعية والقانونية التي برّرت تلك التوصيات.
ومن الواضح ان الضمانات المذكورة تتعلق باجراءات نظر اللجنة التي لا تصدر قرارا نهائيا بل تتولى -في صورة الاتجاه الى استبعاد القاضي- توجيه اقتراحها الى الجهات المعنية (المجلس الاعلى للقضاء – رئاسة الحكومة – وزارة العدل..) حتى يمكن البت في وجاهة المقترح وتطبيق الضمانات التي توجبها النصوص الخاصة واساسا النظم الاساسية للقضاة والقانون المتعلق بالمجلس الاعلى للقضاء.

ثانيا – وزيادة على ذلك اسند النظام الداخلي لهيئة الحقيقة والكرامة مهمة اضافية للجنة الفحص الوظيفي واصلاح المؤسسات تتمثل في تمكين مؤسّسات الدولة والهياكل العمومية المعنيّة بالفحص من التقارير السنوية التي تتضمّن مواطن الخلل فيها والتوصيات الكفيلة بتجاوز الإخلالات والخروقات وتحديد مسؤولية أجهزة الدولة المعنيّة بالانتهاكات حتى تتجنّب تكرارها مستقبلا (الفصل 16)، وهو ما يفترض متابعة ممتدة للقطاعات او المؤسسات المعنية بالاصلاح او الفحص الوظيفي وتشخيص اخلالاتها وتحديد السبل الكفيلة بمعالجتها. ويبدو ان التقدم البطئ في اعمال تلك اللجنة صلب هيئة الحقيقة والكرامة -رغم مرور ثلاث سنوات على مسار العدالة الانتقالية- لم يمكن المؤسسات المتعددة (قضائية – امنية – ادارية ..الخ) من الاستفادة من الامكانات القانونية والفنية التي اقرها المشرع في هذا المجال.

2. اما من جهة تركيبة لجنة الفحص الوظيفي واصلاح المؤسسات وسير اعمالها، يتبين من الاحكام الواردة بالنظام الداخلي :

أ. من جانب اول ان تركيبة اللجنة تتكوّن من خمسة أعضاء من هيئة الحقيقة والكرامة ويتمّ اختيارهم من مجلسها الذي يختار كذلك رئيس اللجنة ونائبه (الفصل 19) واضافة لذلك لا يجوز الجمع -الا في حالة الضرورة- بين عضوية لجنة الفحص الوظيفي وإصلاح المؤسّسات ولجنة التحكيم والمصالحة (الفصل 20)، ويشار في هذا الصدد الى ان اعفاء السيد مصطفى البعزاوي من عضوية هيئة الحقيقة والكرامة قد ادى الى شغور في رئاسة اللجنة لم يتم الى الان تسديده.
ويقتضي النظام الداخلي ان بامكان تلك اللجنة أن تركّز جهازا إداريا خاصّا بها وأن تحدث داخلها لجانا متخصّصة أو قطاعية أو فرق عمل تساعدها في أعمالها بموجب تفويض منها (الفصل 24) وهو ما يستوجب احداث لجنة خاصة باصلاح القضاء تتكون من عدد من المهنيين والمختصين يتم انتدابهم او الحاقهم طبق الصيغ المنصوص عليها قانونا.

ب. اما من جانب ثان ينص النظام الداخلي للهيئة على ان لجنة الفحص الوظيفي وإصلاح المؤسّسات تضبط قواعد وإجراءات تفصيلية خاصّة بسير أعمالها.(الفصل 24).
غير ان ذلك لم يمنع من التنصيص على ان رئيس لجنة الفحص الوظيفي وإصلاح المؤسّسات هو الذي يراس ويسيّر أعمالها وفي صورة حصول مانع له يتولّى نائبه هذه المهام (الفصل21).
كما تجتمع اللجنة مرّة كل شهر وكلما اقتضت الضرورة ذلك. ولا يكتمل نصابها القانوني إلا بحضور ثلثي أعضائها. وتصدر مقترحاتها وتوصياتها بالوفاق بين أعضائها، وفي صورة تعذّر ذلك فبأغلبية الأعضاء الحاضرين، وعند تساوي الأصوات يكون صوت الرئيس مرجّحا (الفصل 22).

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد