الأحد ، 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / الدواعش.. التحديد والتصنيف والعلاج

الدواعش.. التحديد والتصنيف والعلاج

أبو يعرب المرزوقي

أصناف الدواعش الخمسة واستراتيجية الحرب على الإسلام عامة والسنة المخلصة لقيمه خاصة كيف نفهم دورها وكيف نتصدى لها ذلك هو مطلبي في هذه المحاولة.

فعندنا:

1. داعش السيف (وهذه صارت كلمة داعش اسم علم لها).

2. داعش القلم التي تدعي مقاومتها.

3. المستفيد الداخلي منهما أو انظمة الاستبداد والفساد.

4. المستفيد الإقليمي.

5. وأخيرا المستفيد الدولي.

كل هؤلاء يستعملون نفس المفهوم بوجهيه: صنع صورة من الإسلام ومقاومتها بالصورة التي صنعوها لمضاعفة التشويه.
وكما هو المبدأ في القانون الجنائي كل بحث في الجرائم يبدأ بتحديد المستفيد. فالجريمة ككل فعل قصدي لا بد فيها من تصور سابق وإنجاز لاحق لا بد من عقل ويد.
وعندنا هنا فعلان أحدهما يده سيف والثاني يده قلم ولنا مستفيدان لهما البعدان اليد والعقل حقيقة ومستفيد يبدو حاصلا على البعد لكنه مجرد منفذ.
فداعش المقاتلة بالسيف وداعش المقاتلة بالقلم كلاهما مأجور للمستفيد بالعقل واليد حقا (الغرب وذراعيه إيران وإسرائيل) وللمستفيد بهما وهما (الانظمة).
لماذا اعتبرت أمريكا وذراعيها يعملان بالسيف والقلم أو باليد والعقل؟ العلة هي أنهم لا يكتفون بتجنيد دواعش السيف والقليم بل ياتون لهم رديفا.
فهم يمكنون دواعش السيف من السلاح المادي و”يعشعشونهم” كما يمكنون دواعش القلم من السلاح الرمزي ويعشعشونهم لنفس الغاية: الحرب الأهلية بين السنة.
ولا حاجة لإثبات ما أقول حول داعش السيف: فتسليحها كله أمريكي أمدهم به المالكي وجيشه وعند الحاجة الإنزال الأمريكي “خطأ” عليهم من سماء رحمته.
أما تسليح مليشيات القلم ودواعشه فلا تحتاج أمريكا للقيام به لأن الأنظمة العربية التي مولت الثورة المضادة أبواقها كلها مسخرة لهذه الغزوة الاستعمارية.
إذن: 1. عامل التشويه. 2. عامل التنديد به. 3. الحرب على الأول. 4. لتهديم كل معالم الحضارة السنية (المدن الكبرى والاقتصاد والثقافة). 5. وذلك بطلب من الثاني.
وطبيعي أن يكون أقوى اعتراض على هذه الصورة وجاهة مضاعفا: تهمة معلاق المؤامرة وتهمة عدم جدية التشكيك في إخلاص الدواعش بنوعيهم السيف والقلم.
أولا يعسر أن نصدق أن نوعي الدواعش الفاعلين مجرد دمى وغافلين إلى حد يجعلهم يلتزمون بمواقف دونها حياتهم دون إيمان صادق منهم بما يفعلون.
فقبول الاستئجار مشروط بأن تكون حظوظ استفادة الأجير من اجره هي الأرجح: أما من يعلم أن مآله الموت لقلة حظوظ نجاحه فلا يعقل أن يكون أجيرا.
ومن ثم فداعش السيف أقل قابلية لتهمة الاستئجار من داعش القلم. لكنها يمكن أن تكون أكثر قابلية للتصديق إذا ميزنا بين القيادات وبقية المنتسبين.
حينها يمكن أن نقول إن قيادات داعش السيف مثل داعش القلم بعيدة عن الخطر ومتأكدة من أنها ستستفيد من الأجر فيكون الباقي مشاركا دون وعي أي مخدوعا.
وبهذا المعنى فإن المجرمين الحقيقين هم قيادات داعش السيف وكل المشاركين في داعش القلم فجميعهم غير مغرر بهم بل هم أجراء أو مقعتنعون بفعلهم.
وهذه القاعدة وضعها الغزالي في كلامه على الباطنية حيث ميز بين القيادات والتابعين لهم. قيادات السيف ليس فيهم من هو مغرر به ومثلهم دواعش القلم كلهم (من المفروض رغم أنهم لا يخلون من الأغرار).

نأتي الآن إلى المستفيدين أي الجامعين بين التصور والإنجاز: فأمريكا وذراعاها مستفيدون من الحرب الأهلية السنية لأن ذلك يحقق اجندة واضحة جدا.
فاقليميا الذراعان لم يخفيا أنهما يريدان استرداد امبراطورية أخذها منهم المسلمون: امبراطورية داود وامبراطورية كسرى. وشرط ذلك الحرب على السنة.
ودوليا: أمريكا لا يمكن أن تبقى سيدة العالم في النظام القادم من دون أن يكون بيدها ما يمكنها من الامساك برقاب القطبين الجديدين: الصين والهند.
وهذا الشرط يقتضي ألا يوجد من يسيطر على الطاقة والممرات سيطرة يمكن أن تصبح مستقلة عن الآمر الناهي الأمريكي. والمسيطر الممكن هو سنة الإقليم.

وهذه الاستراتيجية لم يمكن إنشاء إسرائيل من تحقيق غايتها لأن قيامها بخلاف ما توهموا صار محفزا لنهوض بدأ يرتسم بصورة مخيفة بعد عودة تركيا.
ومثلما أن تقسيم الإقليم اقتضى القضاء على ما بقي من الرجل المريض فإن السيطرة عليه تتطلب القضاء عليه خاصة وهو قد استرد عافيته وعاد لمرجعيته.
لكن العامل الأكثر إخافة لمسير الاسركسترا الحربية في الأقليم هو استفاقة المارد الذي لا يقهر: ثورة الشعب (تونس) وعمت الإقليم بصورة مذهلة.
تحريكها شعب مصر والشام أي مركزي الإسلام الأشهرين وتسرع إيران إذ تغنت بالنصر قبل الأوان نقلنا إلى حرب إقليمية متراكبة مع حرب أهلية اجتماعية.
والفضل في ذلك لشباب العرب والمسلمين في الشام: فهو الذي هزم إيران ومليشياتها فاضطر الاعداء لتدويل الحرب باستدعاء بوتين لتصبح الحرب عالمية.
أما المستفيد متوهما أنه صاحب قرار فهو الأنظمة العميلـة ونخبها التي تظن نفسها ممثلة لدول ومحافظة على الخارطة الحالية وهي في الحقيقة دمى ميتة.

بل أدوات أمريكا وذراعيها مثل الدواعش: بشار والسيسي وحفتر وكل من يريد أن يرجع من المنظومة التي أسقطتها الثورة أو التي تقود الثورة المضادة.
ما يجري حاليا هو الفوضى الخلاقة بحق وليس ما أرادته أمريكا. فالمسألة لم تعد الإطاحة بأنظمة وتعويضها بكارازيات ومناطق خضراء: عودة الروح للأمة.
لا شك أن الكلفة باهظة. لا شك أن ما يجري في الهلال لم يعرف الشرق مثله سابقا. لكن المغرب العربي عرف أكثر منه ولا يزال لأنه جمع بين وجهيه.
فنحن في المغرب العربي عامة وفي الجزائر خاصة عرفنا استعمارا استيطانيا غربيا وهو جنيس ما تحاوله إسرائيل وإيران حاليا في المشرق لكننا هزمناه.
لكنه ترك في بلادنا خلائف من الساسة والنخب العملاء الذين واصلوا سياسته ضد الشعب وثقافته بنفس المنطق بل وأخطر لأنها تتخفى بالوطنية والتحديث.
وبذلك فقد أصبح المغرب العربي والمشرق العربي تقريبا في نفس الوضع. وإذا كانت ثورة الحرية والكرامة قد نبعت من تونس فهي شاملة كما نرى في الشام.
وقد يكون في حضور الشباب التونسي -بحسن نية كما فعل أجدادهم في فلسطين أو بسوء نية ككل الدواعش- بعض صلة بسلوك النخب العميلة إزاء يقافة الشعب.
والقصد هنا أن دور دواعش القلم أو الإرهاب الرمزي الذي قامت به النخب التي ورثت سياسة الاستعمار وقدمتها على أنها برنامج تحديث تخريبي أساسا.
أظن أن وصف الدواعش وتعريفهم كاف لكي ننطلق في تحديد استراتيجية المقاومة التي تحرر الأمة منهم فنخرج من الحرب الأهلية التي هي قدم أخيل لدينا.

وقبل الكلام في العلاج فلنشر إلى المحذور الأساسي: تجنب الخدعتيـن اللتين حصلتا في تاريخنا الحديث. ثورة العسكر وثورة الإسلاميين الانقلابية.
كلتا التجربتين بينت أن شعارات الثورة التي تغير الحكم بالانقلاب لا تحقق أدنى شيء من شروط الاستئناف. لذلك فينبغي تحقيق مقومات النجاح الفعلي.
وهي نوعان: الأول ألا تكون ثورة من دون فلسفة الغايات واستراتيجية الأدوات وثانيا أن تكون ذات قاعدة شعبية فاعلة وليس جماهير منفعلة بالشعارات.
وهذان الشرطان يبدوان مضمونين بفضل المعاناة والتجربة الحاصلة من اقتلاع الثورات الزائفة التي هي اليوم مركوب أعداء الأمة: أمراء السيف وأمراء القلم وأمراء الجيش وأمراء القبيلة.
ما العلاج الآن؟ حسب عدة الدواعش. دواعش القلم سيذهبون مع الأنظمة العميلة. دواعش السيف علاجهم وضعه الغزالي. دواعش الذراعين هزيمتهم شرط البداية.

لكن مشكل المشاكل هو الداعش الكبرى: أمريكا. ينبغي وضعها أمام معادلة لا مفر منها كلاعب الشطرنج الذي لا يوضع امام كش مات وذلك بالصورة التالية.
ولنخيرها بأن أحد حلين إما أن نعمل ذلك معا فنعرض عليها التعاون من أجل نظام عادل يكون لنا فيه دور الندية فنكون قطبا حليفا لخلق التوازن.
تعترف أنها لن تبقى تصمد أما قطبي النظام الجديد من دون ما عندنا -الطاقة والممرات- وهي تتصور أنها يمكن أن تحصل عليه بهزيمتنا فلنثبت امتناع ذلك.
أو أن تواصل العناد فتغرق في حرب لا نهاية لها ولن نغرق معها لأننا في خلال ذلك نكون قد صرنا فعلا القطب الذي يحتاج إليه نظام العالم الجديد.
استعدادها للوجه الثاني من الكرة الأرضية يلهيها عن الوجه الأول خاصة إذا تبين لها الفشل في الاستحواذ على طاقاته وممراته كما تسعى حاليا.
وهنا يأتي دور أوروبا: فهي من دوننا لن تكون إلا مستعمرة روسية من جديد لأن أمريكا التي كانت توهمهم بالحماية سيكون موقفها كموقفها من الخليج.
تلك هي الاستراتيجيا التي اقترحها: مد اليد للحضارة التي أقرب الحضارات الحالية لحضارتنا رغم مرارات التاريخ مع الاستعداد لمقاومة سنربحها حتما.
ولست من يقول إن الحضارة الغربية هي الأقرب لنا رغم ما بيننا من اختلافات وصدامات عقدية وتاريخية. القرآن يعتبر أصل الحضارتين الروحي واحدا. وهو يعتبر الإنسانية أسرة واحدة (النساء 1).

والتاريخ يبين أنهم مدينون لنا في مستوى حضارتهم الدينية والعقلية رغم ما طرأ من تحريفات على الأولى ومن توظيفات على الثانية. لكن الأصل واحد.
ثم وهذا ما ينبغي أن يعلمه الشباب: فمهما بلغت الوحشية في الغرب فهي ستكون لعب اطفال لو استفردت الصين أو الهند بالعالم. فهم أعدى للإسلام.
وإذا كان الغرب يحتاج لما عندنا ليحقق التوازن فنحن أحوج لما عنده لنفس الغرض: يريد طاقاتا وممراتنا ونريد علمه وتقنياته والندية تؤسس للتعاون.
لذلك فكل كلام على عداء مطلق مع الغرب وعلى الصليبية إلخ… من تخريف رغم ما قد يكون فيه من صحة بخصوص بعض المتعصبين منهم ومنا فإنه ماض انتهى.
ما يعنينا هو مستقبل الاستئناف ما شروطه وكيف نحققها؟ ذلك مستحيل إذا ظللنا نتبع كلام فقهاء أميين لا يفقهون من الحاضر فضلا عن المستقبل شيئا.
وأقصد فقهاء الدواعش لا فقهاء التنوير الذي يؤسس لنهضة الأمة ويعدها للاستئناف شرط تكوين قطب إسلامي يعدل نظام العالم المقبل لنستعيد سيادتنا.
وما من استراتيجية إلا وهي خطة لعمل على علم يهدف إلى تحقيق شروط قيام فيه ما تطلب الآية 60 من الأنفال شرطي السيادة: القوة المادية والرمزية.

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد