الخميس ، 23 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / في البدء كان الحوار الوطني

في البدء كان الحوار الوطني

عادل بن عبد الله

حفريات في التوافق: (1)

في أواخر فترة الترويكا التي انطبعت بالتأزم إلى درجة أصبح الاحتراب الأهلي فيها فرضية ممكنة، أدّت موازين القوى المحلية-المسنودة بتحالفات إقليمية ودولية غير متكافئة-إلى ذهاب الحكومة ومعارضتها إلى طاولة ما سُمّي بـ”الحوار الوطني”. وقد أشرف على ذلك الحوار “رُباعيا” تشكل من الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف ونقابة المحامين والرابطة التونسية لحقوق الإنسان. أدّى الحوار الوطني إلى قبول المتصارعين بخروج الترويكا من الحكم خروجا “مشرفا”، لتخلفها حكومة انتقالية “توافقية” برئاسة السيد مهدي جمعة.

يمكننا اعتبار تلك الحكومة الإرهاص الأول بمنطق “التوافق”. فرئيسها فاز برضا المشاركين في الحوار الوطني، رغم أنه لم يكن هو المرشح الأصلي لأي طرف، وهو بالتالي نتيجة التوافق بين إرادات متضادة وجدت فيه البديل الأفضل والأقل خسارة، ضمن بدائل كارثية تتراوح بين سقوط الدولة والحرب الأهلية لا قدر الله. ولكنّ الحملات الانتخابية لرئاسية 2014 وتشريعيتها “جبّت” ذلك المنطق، ودفعت به إلى خلفية المشهد السياسي، وذلك بعد هيمنة الخطابات الصدامية القائمة على الاستقطاب الهووي الذي قسّم التونسسين إلى “إسلاميين”و”ديمقراطيين”، أو قسّمهم على أساس التقابل بين مشروعَين مجتمعين متنافيين ومتضادّين بصورة جذرية، بحيث  لا يمكن الالتقاء أو “التوافق” بين ممثليهم مهما كانت النوايا حسنة.

كان إسناد جائزة نوبل رسالة للإسلاميين باستحالة حكم تونس دون تشريك حقيقي للعلمانيين -وأساسا تشريك ممثلي المنظومة القديمة-، وكان أيضا رسالة للعلمانيين باستحالة تقديم أي دعم دولي للرغبات الاستئصالية في “تَونسة” السيناريو المصري، ومن قبله السيناريو الجزائري أو حتى سيناريو المخلوع إبان المحرقة الإسلامية في أوائل التسعينيات من القرن الماضي. كانت الرسالة حمّالة أوجه وملزمة للجميع بحكم “لاتكافؤ” المرسل الدولي والمتقبّل المحلي: لا لأسلمة المجتمع ولو على وجه التدريج، ولا لإخراج الإسلاميين من الحقل السياسي القانوني ولو على وجه التدريج، ولا لأي تغيير في الاختيارات الاقتصادية والدبلوماسية الكبرى الموروثة من عهد بن علي.

إنّ إسناد الجائزة هو  بمنزلة دعم دولي للتوافق بين المنظومة القديمة والإسلاميين، ورغبة في تقديم “جرعة هواء” للاستثناء التونسي المترنّح في المسارات الكارثية للربيع العربي، وهي جرعة هواء لا يفرضها أي منطق أخلاقي أو أي تعاطف مبدئي مع الثورات العربية، بقدر ما تفرضها احتياجات القوى الدولية إلى وضع هادئ في هذا الجزء الجنوبي من المتوسط. وعلينا “الاستثناء التونسي” هنا هو بمعنى التعايش السلمي بين الإسلاميين والعلمانيين داخل أفق أو سقف يحدده الفاعلون الدوليون الكبار، وليس التوافق بالمعنى الذي تروّجه أدبيات “النمط المجتمعي التونسي”، انطلاقا من الأساطير الثقافوية البائسة. كما يمكننا أن نرى في هذه الجائزة دعما دوليا للمجتمع المدني-بل لركائز السلطة قبل 14 جانفي، من مثل الاتحاد ومنظمة الأعراف- وتعزيزا لدور هذه الجهات في ممارسة “سلطة رقابية” على أجهزة الدولة.

لقد كانت الجائزة “تفويضا دوليا” للرباعي الراعي للحوار -أو لمن سيتبقى منه أو يرثه- كي يقوم بدور تحكيمي في أية أزمة قادمة، مما أوجد نوعا من “الشرعنة” الدولية لسلطة “موازية” (أو فوق مؤسساتية)، ستوظف رمزية الجائزة للقيام بدور سياسي “تعديلي”-لكن إلى أي حد؟- انطلاقا من “إملاءات” دولية صريحة او ضمنية. وهذا الوضع هو وضع ملتبس وغير مؤسساتي في أحسن التأويلات، وهو وضع انقلابي مؤذن باستضعاف الفاعلين السياسيين وقتل أي إمكانية لتغيير آليات إنتاج الثروة وتوزيع السلطة في أسوأ الاحتمالات. فالجائزة قد أقّرت لفاعلين جماعيين أدوارا تتعدى أدوارهم التقليدية، وأمدّتهم بشرعية ميتا-مؤسساتية مسنودة دوليا، وهو “إغراء” قد يدفعهم -أو يدفع جزءا منهم أو أطرافا أخرى- إلى أن تمارس دور الوصي على الفاعلين السياسيين بدعوى المصلحة الوطنية العليا، تلك “المصلحة الوطنية العليا” التي كانت دائما كلمة حق لا يريد بها المتنفذون وأصحاب المصالح إلا باطلا.

مهما كان موقفنا من مخرجات الحوار الوطني أو من استراتيجيات القوى المشرفة على “ترشيحات” جائزة نوبل، فلا شك في أنّ إسناذ تلك الجائزة للرباعي الراعي “للحوار” هو حدث ذي أهمية استراتيجية بحكم تأثيره الكبير في تحديد مسار الانتقال الديمقراطي وفرض سقف معين له، فقد أضعفت تلك الجائزة إمكانيات المناورة عند الطرف الاستئصالي في نداء تونس، وتفّهت حججه الثقافوية-الهووية أمام الداخل والخارج، ولكنّ الجائزة أضعفت نوازع الهيمنة في حركة النهضة -وخاصة نوازع الأسلمة التدريجية-. كانت جائزة نوبل تثمينا دوليا للحوار أو للحل السلمي للخلافات بين الإسلاميين والعلمانيين (وهو ما يعني إقصاء أي استراتيجية تغيير لموازين القوة عبر الانقلاب والعنف)، ولذلك فإن هذه الجائزة هي للرباعي “ظاهريا”، ولكنها في الحقيقة -وفي رسالتها السياسية- هي جائزة للشَّيخين -الغنوشي والسبسي- القائمَين على تفعيل مُخرجات الحوار وتكريس”التوافق”.

في خاتمة هذا المقال، يمكننا أن نطرح جملة من الأسئلة التي ستكون إن شاء الله مدخلا إشكاليا للجزء الثاني: إلى أي حد كانت الجائزة حدثا مفصليا في التاريخ السياسي التونسي، وهل ساهمت فعلا في تغيير العلاقة المتوترة والصدامية بين الإسلاميين والعلمانيين؟ وهل كانت الجائزة دعما لانبثاق ثقافة سياسية مواطنية جديدة، أم إنها كانت مجرد دعم خفي لعودة المنظومة القديمة إلى مركز السلطة بعد أن أخرجتها الثورة منها..لكن إلى حين؟ وهل يمكن أن نبني توافقا “استراتيجيا” وفعّالا بـ”البورقيبية المريضة” التي يُمثلها السيد الباجي قائد السبسي، وبالإسلام السياسي المتحول إلى “الإسلام الديمقراطي” حسب تعبير الشيخ راشد الغنوشي؟ وهل يمكن أن نتحدث عن “توافق” وطني في ظل تواصل الاستقطابات الثقافوية والسياسات التي لا علاقة لها باستحقاقات الثورة، ولا حتى بأدنى الانتظارات “الإصلاحية” للناخبين؟

سلسلة : حفريات في التوافق: (1) حفريات في التوافق: (2) حفريات في التوافق: (3) حفريات في التوافق: (4)

“عربى21”

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد