الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / عيساوية ثورية

عيساوية ثورية

بعد العملية الحسابية العبقرية والمضللة لضيعة جمنة 1،7 مليار يطرح منها 16 مليون، تفتحت شهية الاستحواذ على الملك العام وملكية الدولة وحدد كل واحد بنك أهدافه، واحد يتحدث عن هنشير بارون بحفوز والآخر عن هنشير السيشل بالنفيضة وثالث عن هنشير الشعال بصفاقس… بإمكان أن أوسع رقعة الاستهداف وهي أمتن وأصلب وأكثر مردودية لدينا القطاع السياحي ومئات النزل ذات الخمس نجوم التي لم تف بتعداتها لبنوك الدولة بإمكان ان نتخذ قرارا بدلا من الدولة المتخاذلة ونفتكها لفائدة البنوك الدائنة وبما أن البنوك ممولة من أموال الشعب وضرائبه فإمكاننا اتخاذ قرار باسم الشعب، الذي هو نحن طبعا، وتعيين هيئات تسيير على رأسها يعود ريعها لنا ونحن الشعب طبعا…

كما أنه في مقدورنا استصدار قرار باسترجاع مجموعة من المؤسسات ذات الربحية العالية والتي تم التفويت فيه لمشبوهين في ظروف مشبوهة المغازة العامة، سلسلة موبوبري… ومنها ما تم التفويت فيه حتى بعد الثورة من “حكومة الثورة” كمجمع دار النقل الذي تكتنف صفقته الغموض…

وحتى نكون خدومين لهذا الشعب الكريم وقياسا على قاعدة الارض لمن أحياها بإمكاننا أن نسترجع كل المساكن الفارغة التي تعد بالالاف والتي لم يتم تسديد ديونها لبنوك الدولة التي نملكها نحن بدورنا، ونو زعها على فقرائنا بأسعار تفاضلية..

بإمكاني أن أوسع قائمة الأهداف ذات المردودية المحترمة وأشارك في هذه الملحمة الوطنية في حالة واحدة فقط وهي؛ إذا ما قامت كل هذه المجموعات الثورية المنتصرة لضيعة جمنة باتخاذ قرار الاستحواذ على كل الاذاعات التي كانت مملوكة لفائدة العائلة الحاكمة وهي الان تحت تصرف الدولة التي هي دولة الشعب، يعني دولتنا، من أجل استكمال الدعاية الثورية نحو التأميم الشامل…

من يرى في كلامي انتصارا لمنطق الصفقات المشبوهة أو دفاعا عن عصابات النهب الحاكمة فليغرب عني،، الدجاج لكحل داير بي.

عيساوية ثورية 2

بداية انا احترم كل من رفض خيار التأسيس بعد الثورة، على قاعدة ما تبقى من المشتركات بعد اربعطاش، كما احترم كل الذين تفهوا عمليات الانتقال الديمقراطي تحت سقف دستور 59 ومؤسساته، وان كنت اختلف معهم، فهؤلاء قلة قليلة لا يكاد يسمع لهم صوت، ولا يرى لهم نصيرا، هؤلاء من حقهم ان يدافعوا عما حصل في جمنة ويعتبروه تمشيا سليما ما متسق مع رؤيتهم…

أما الذين قبلوا بانتقال تحت سقف دستور 59 بمؤسسات ما قبل اربعطاش وبرجال لا علاقة لهم بما بعد اربعطاش فقط من اجل تواصل الدولة، ثم قبلوا الدخول في انتخابات اولى، أفضت الى عقد سياسي واجتماعي جديد، اسمه الدستور اعتبره اكثر ثوري فيهم جدا أدنى مشترك، ثم قبل بانتخابات ثانية انقلبت فيها المجن لصالح منظوبة النهب والفساد، ليس من حق هؤلاء أن ينتفضوا الآن ضد كل هذه المشتركات ويسفهونها انتقاما من عصابات النهب العائدة…

من يرى أن الدولة ليست مشتركا ولا حافظا لوحدتنا ويجب التمرد عليها حد الهدم ليس له إلا أن يغادر مربع المنتظم السياسي الذي تأسس صراحة، وبعد نقد ذاتي لما فات، ثم فليعلن حتى الكفاح المسلح لو أراد…

قد تكون تجربة جمنة، جنتنا الارضية الموعودة، لا اعتراض عندي على ذلك، شرط ان يتم ذلك بعقد اجتماعي جديد وبخيار تنموي يقبل به أغلبنا ويخضع له اقلينا، لكن ارفض ان اقاد الى الجنة بالسلاسل، كما ارنو الى الوحدة بين الشعوب ولكني ارفضها ان كانت بسماركية بالقوة..

إن فتح الباب لكل مجموعة مهما كان نبل نواياها وسمو اهدافها بفرض خياراتها تحت اي مسمى وجرنا الى القبول به عبر فرض امر واقع هو فتح باب جحيم تعدد مصادر القوة والنفوذ وتحويل الدولة الى كانتونات متنازعة تفرض فيها كل مجموعة تصورها الخاص ومنطقها الذاتي المغلق في رؤية الحلول، سيفضي ذلك ضرورة الى صدام مميت تذهب فيه كل مجموعة بما أرادت…

الاعتراض ليس على التجربة في ذاتها ولكن الاعتراض كان على الطريقة التي تمت بها، مطلب التأسيس لتجربة كهذه، ليس فقط اضفاء شرعية قانونية ومؤسساتية عليها وإنما حفظا لها من تهديد يأتيها من خارجها أو زيغا ينبع من داخلها…

علمتني التجارب أن لا أثق في النوايا ولا في الرجال، ثقتي أمنحها للمؤسسات المحروسة بالقانون…

عيساوية ثورية 3

بالتأكيد، أن مطلب محاربة الفساد وإرساء الشفافية على الصفقات العمومية من بينها البتّات وطريقة إسنادها مطلب شرعي وهدف من أهداف الثورة، وبالتأكيد أيضا أن مطلب تغيير المنوال التنموي المجحف الذي تم اعتماده هدف ثوري ودستوري وجب الدفاع عنه… ولكن ككل الأهداف العظيمة التي سعينا لها منذ الثورة طلبناها بوسائل أضرت بنبل الغاية كما أننا أرسينا دفاعنا عنها بحجج شوهت من سمو المقصد…

مطلب العدالة الاجتماعية و إرساء منوال تنموي جديد يخلق الثروة و يوزع خيراتها بالعدل على الناس لا يمكن أن نقصده بوسائل “روبن هود” وطريقته في إعادة تدوير الثروة، عن طريق سياسة وضع اليد وفرض الأمر الواقع والإستقواء على الدولة بالاستهانة بالقانون والمؤسسات، كل ذلك باسم شعار جميل “اقتصاد تضامني اجتماعي بديل”..

ولئن فشلت وسائلنا في تحري الحق والوصول إليه فإن وسائل دفاعنا وحججنا في مناصرة القضية كانت أكثر سوء وأشد إذاية لعدالة القضية…

يدفع المناصرون لتجربة تسيير ضيعة جمنة بحجج شتى، ولكن أغلبها إن لم تكن كلها، تضع مقارنة بين سوء تصرف وفساد قديم مضر مع وضع جديد خاطئ لكنه أقل ضرر..

أيهما أكثر فساد طريقة تسيير الصفقات العمومية ام طريقة التسيير الحالي…

كيف لمن يدفع بقانون مصالحة مع الفاسدين الذين استولوا على المال العمومي، لا يتصالح مع المصلحين الذين استولوا هم أيضا على الملك العمومي، وكيف نعمل إيجاد حل مع الذين استولوا على ما تحت الأرض (مقاطع الرخام) ولا نجد حلا للذين استولوا على ما فوق الأرض (النخيل)، يصل سوء هذه الأفكار الى حد نفي وجود دولة أصلا (وهل هناك دولة حتى نحترمها)…

الحقيقة أن هذه الدفوعات تقوم بقياس فاسد يفسد نبل الهدف فهي من ناحية وكأنها تقارن بين خطإ كبير وآخر أكبر، وبضرر عظيم وآخر أعظم وعلينا فأن لا نتوجه لمواجهة الأكبر والأعظم فنلغيهما وإنما فينا أن نقبل بأخف الأضرار وأقلهما سوء…

الثقافة التي تشربت بها ونشأت عليها تأبى علي أن أقابل سوء بسوء أقل وأن الظلم لا يواجه بظلم أقل منه {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} وأن لا أسكن مساكن الذين ظلموا من قبل (وهنا ليس المعنى جغرافي/مكاني وإنما هو اجتماعي/قيمي)… وأن الكدح إلى الله يكون بابتغاء الوسيلة (وهي العمل الصالح)… هذه الثقافة تجعلني انتصر إلى ضرورة تغيير منوالنا الاقتصادي ولكن ليس كيف ماكان وبأي طريقة كانت.

نهاية، كنت أشعر بأن المدافعين عن تجربة ضيعة جمنة خلطوا عملا صالحا بآخر سيئا، كان هدفهم استهداف ساكنة الدولة فأصابوا الدولة نفسها وقد يشي ذلك بحالة احباط وانغلاق آفاق التغيير، وأن لا بديل للخروج من هذا المأزق إلا بفتح حوار سياسي اجتماعي معمق نرسو فيه على بدائل حقيقية وتحضى بأوسع قبول ممكن.

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد