الأحد ، 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / يجي يقول صحة، يقول سداف: عن الإعلام التونسي وما بعد إعطاء معنى للأحداث

يجي يقول صحة، يقول سداف: عن الإعلام التونسي وما بعد إعطاء معنى للأحداث

ثمة من شتمني هنا، من أجل تمسكي بأن الصحافة علم يصبح مهنة بالممارسة، علوم كثيرة تدخل مهنة الصحافة، بشرط ذلك السؤال التاريخي: “هل عندك القماش ؟”، قد تقضي نصف عمرك في دراسة علوم الصحافة، إنما لن تصبح صحفيا أبدا، لأنك لا تملك القماش، أي أن تملك اللغة،

شتمتني هنا، هذه القطعان الغوغائية الهائجة لأني أدافع عن مهنة الصحافة التي مثل البقرة التي فقدت ذيلها: لا ينش عنها الذباب سوى الله، مدفوعين بإحساس زائف بأن الصحافة استعراض مواهب وشغل قلق في ظل فشل الإعلام المحترف، فيما كان آخرون يصنعون وعيينا لأجندات خطيرة في ظل تهافت إعلامنا وسخافته، وفيما كان العالم ينتظر منا أن نعلمه الحرية بما فيها حرية الإعلام، بما توصلنا إليه من ثورة، عدنا فريسة للبحث عن الخبر اليقين من خارج الوطن،

أنا أذكر كيف كنا نقتل أنفسنا في استخلاص دروس تطور الإعلام منذ ظهور مؤسسة هافاس في القرن التاسع عشر والدروس الأولى في موضوعية صناعة الخبر الكوني مع أول وكالات الأنباء في العالم إلى ظهور صحافة القرب، ثم صحافة المواطن مرورا بمدرسة غوبلز وزير الدعاية في عهد هتلر التي انتقلت عبر ورثته إلى الولايات المتحدة، ومختلف الطرق التي اخترعتها الصحافة المكتوبة لكي تبقى حية، وصولا إلى شبكات الإعلام الفضائي الممولة من الخليج وتأثيرها على موضوعية الحقيقة، هل ثمة حقيقة واحدة حقا ؟ أم أن الحقيقة هي ملك لمن يملك مؤسسة إعلامية ؟ كنت أتساءل مع أستاذي Denis POLF في مدرسة CFPJ في باريس في 2001، يقول لي خصيصا، أنا الوحيد القادم من عالم متخلف له تحديات وحاجات ضرورية لإعلام حقيقي، إننا إزاء تحديات حقيقية في العالم المتخلف بحكم ولاء وسائل الإعلام للسلطة تقليديا:

« a vous l’honneur de réinventer le journalisme, de donner un sens à l’infos »

ما ينقص الإعلام التونسي لأول وهلة هو القدرة على إعطاء معنى للأحداث، إنما الحقيقة هي أن فكرة أن الصحافة “علم يصبح مهنة بالممارسة” قد انقلب في تونس إلى “ممارسة لا تحتاج إلى أي علم”، عندك فلوس ؟ تفضل، البلاد فارغة، أقم فيها الأذان، عندك قدرة على إعطاء معنى للأحداث ؟ لا ؟ فاش قام السؤال أصلا ؟ الإعلام العمومي غارق في مشاكله البيروقراطية التي لن يحلها سوى الله، وليس اليوم ولا العام القادم، لا تخف،

ليس لك فلوس وأنت فرملي، موظف هارب من عمله، بوليس مكسر من أجل الرشوة ؟ عاطل عن العمل ؟ محام فارغ شغل ؟ ليست لك مواهب سوى حب الظهور ؟ تفضل، الصحافة تليق بك، طالما انت لا تخرج عن النص،

أنا ما زلت أنتمي إلى تلك الثقافة التي تعتقد أن من لا يقرأ لا يمكن أن يكتب، وأن من لا يكتب جيدا، لا يمكن أن يكون صحفيا أيا كانت شهائده، “يجي يقول صحة، يقول سداف”، وهكذا فإن السداف أكثر من عبارة الصحة في إعلامنا، عن قصد وعن غير قصد، لأن الكثير ممن يشتغلون في هذه المهنة البائسة، مثل الحمير التي تحمل أسفارا،

سنعود، رغم حرية الثورة إلى انتهت إلى الخواء إلى الإعلام الأجنبي حين يتفضل علينا، بين الحين والآخر بشيء عن الوطن،

شاهد أيضاً

حين رأى خوفي واضطرابي

عبد اللطيف علوي حين رأى خوفي واضطرابي، أحسّ أنّها الفرصة المناسبة لاقتناص فريسته، قال لي ...

اترك رد