الإثنين ، 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / تدوينات تونسية / في اليوم العالمي للمدرس: اعترافات خطيرة :)

في اليوم العالمي للمدرس: اعترافات خطيرة :)

ليلى حاج عمر

في اليوم العالمي للمدرّس سأقدّم اعترافات خطيرة 🙂

سأقول أوّلا انّي بدأت أدرّس منذ سنّ الحادية والعشرين. كان ذلك جريمة لا تغتفر 🙂 . أن تدخل التّعليم في الحادية والعشرين حقّا جريمة في حقّ ذاتك التي ستتحمّل مسؤولية تكوين وتربية ناشئة بينهم وبينك سنتان أو ثلاثة.. لكنّها جريمة حلوة ورّطتني في أروع قضيّة في حياتي. قضيّة التّعليم الذّي يكاد يتحوّل اليوم وعلى امتداد السّنوات التي درّستها إلى جسم يحتضر. لست الجانية طبعا =D ولعلّنا نحتاج المفتّش ديريك لنبحث عن المتسبّب في حدوث هذه الجريمة في التّعليم العمومي بعد إطلاق رصاصات عديدة عليه جعلته يتخبّط إلى اليوم. ولكن ما أذكره في سنتي الأولى وأنا أدخل المعهد لأدرّس بعد أن سلّمني السيّد المدير الجدول أنّ السيّد القيّم العام صرخ في وجهي وأنا أقف أمام قسمي بين تلاميذ الثانوي: ادخلي القسم ماذا تنتظرين؟ قبل أن يقدّم اعتذاره حين أدرك أنّي أستاذة ولست تلميذة. منذ ذلك الحين دخلت القسم ولم أخرج =D ولعلّني أنتظر صرخة أخرى كي أخرج. فأنا لا أريد الخروج 🙂 وهذا اعتراف ثان. المهنة شاقّة وقد يحدث في بعض الفترات أن تصاب بالدّوار وأنت تنهي السّاعة الأخيرة داخل قسم مكتظّ وقد بلّل العرق وجهك وتلوّنت يداك ولكن شيء ما يشعرك المتعة والرّضا. شيء مجهول كأنّما هو من الغيب. في التّعليم أنت معتّق متجدّد دائما. يحتلّك الصّغار فتصير مثلهم ولا تكبر. تتجدّد مع كلّ جيل جديد مع كلّ قسم جديد مع كلّ نصّ جديد رغم أنّ كلّ شيء يتقادم حولك. يكبر تلامذتك ويتغيّرون ويصيرون أحلى ويتزوّجون وينجبون ويكبر أطفالهم وأنت هنا كما أنت. وتنسى دائما إثر كلّ عطلة ما لحقك من أذى وإرهاق. لذلك نحتاج العطل كي ننجو. لا تحسدونا. لولاها لكان نصفنا هناك. في ذلك المكان الذي تعرفون =D

في اليوم العالمي للمدرس أتذكّر أغلب النّصوص التي شرحتها من البداية إلى الآن. النّصوص التي أحببتها حتّى أنّي شرحتها وأنا نائمة 🙂 ( أجمل شروحنا تكون بين نوم ويقظة. يحدث مع أساتذة الرياضيات أن يحلّوا مشكلة وهم نيام أيضا =D ) نصوص المتنبي وأبو نواس والقصص القرآني والشّعر الجاهلي وشعر درويش ( كم حيّرني درويش وأقضّ مضجعي.. سامحك اللّه كم أتعبتنا 🙂 ) والنّصوص التي لم أحبّها والتي أهرب من شرحها في حالة اليقظة أو النّوم بدءا من نصوص بورقيبة ومحمد مزالي رحمهما الله (هذه البرمجة ظلّت حتى أواخر عهد بورقيبة وبورقيبة يمكن أن تستمتع بخطبه أمّا تدريس خطبه في شكل نصوص فكان أمرا سياسيا ممجّا. يكفي أن نتصوّر اليوم برمجة خطاب للرئيس الحالي أو لرئيس الحكومة الحالي أو صورة له وهو يبارز طفلا في الكتب المدرسية حتّى نفهم درجة تسييس البرامج التي حدثت في فترة ما والتي مثّلت من دواعي التداعي) وصولا الآن إلى نصوص رياض الزغل (أجل بعد ثورة مازال هناك نصّ لها في المقابل هناك أسماء مبدعين ينتمون إلى الثورة لم تدخل بعد نصوصهم الكتب المدرسيّة) ونصوص رجاء بن سلامة (لهذه الكاتبة نصوص أجمل من النصّ المبرمج حول المرأة.. كم هو ثقيل هذا النصّ!) لم يخل اختيار النّصوص من الانحياز الإيديولوجي والحزبي فكان الضحيّة تلاميذ يستشعرون الملل من نصوص جافة لا متعة فيها فينفرون منها وتتحول لديهم إلى كوابيس في اليقظة وفي النّوم.. آلاف النصوص على امتداد سنوات لآلاف التّلاميذ وتحاول دائما أن تنتج المعنى مهما كان النص وأن تكون خارج القالب المعدّ لك والمناهج المقرّرة في الشّرح وكانت في الغالب مأخوذة من نظريات بيداغوجية فرنسيّة جاهزة قبل أن يقرّر التحوّل إلى تجارب أخرى ونظريّات بيداغوجيّة أخرى. مناهج تضعك وتضع التّلاميذ داخل قوالب يعسر كسرها وعليك أن تحاول التسلّح بروح الابتكار والفرادة وبرهافة الإحساس وبكثير من الخيال وملكة النّقد وكثير كثير من الصّبر والمحبّة كي تستطيع أن تصل إلى تحريك الإنسان / التّلميذ وملئه بدوره بالإحساس والخيال والعاطفة والتّفكير والنّقد وقد تنجح وقد تخفق وتظلّ وسط كلّ هذا دائما في حيرة ومراجعة للذّات وتساؤل مستمرّ: هل نجحت؟ لم لم أنجح؟ وشعور دائم بالحاجة إلى مزيد التعلّم لتعلّم.

هو اعتراف آخر: أكثر ما نحتاجه هو التعلّم كي نعلّم. التعلّم كلّ يوم وألّا ندّعي أنّنا نمتلك المعرفة كاملة والحقيقة كاملة بعد أن انتهى زمن الأنبياء وبعد أن تعولمت المعرفة ولم يعد المدرس مصدرها الوحيد. ويظلّ الدّور الأعسر من “تلقين المعرفة” أن نساهم في تحريك الإنسان فينا وفي الآخر: التّلميذ بعد أن ساد ” التوحش ” العالم وهيمن منطق السّوق وصار التّعليم جزءا من هذا السّوق وصار محكوما بمبدأ العرض والطّلب وصار التّنافس داخله أشبه بالتنافس داخل البورصات المالية وصار الكثير يدخله بمنطق الغنيمة والغنيمة فحسب..

في اليوم العالمي للمدرس: نخشى أن نعلن قريبا موت المربي الأخير والإنسان الأخير. لذلك نحتاج أنسنة التّعليم وتحريره من منطق الغنيمة بعد أن ظلّ زمنا حصان السّياسة والإيديولوجيا الجامح.

هي تجربة عمر أخذ منه التعليم نصفه ومازال أحاول أن أواصلها بنفس حماس بنت الواحد والعشرين رغم أنّي لم أعد أشرح النّصوص وأنا أحلم ولا أفهم لذلك سببا =D

دام المربون المربون بألف خير

شاهد أيضاً

أشعر بالعار

خير الدين الصوابني أشعر بالعار عندما اعلم أن على بعد بضع كيلومترات من بلدي انبتت ...

اترك رد