السبت ، 18 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / “حزب العدالة والتنمية” واختبار جديد للدّيمقراطية النامية في ربيع عربي ناعم

“حزب العدالة والتنمية” واختبار جديد للدّيمقراطية النامية في ربيع عربي ناعم

سليم الحكيمي

غدا الانتخابات التشريعية في المغرب، 7 اكتوبر 2016:

يستعد المغرب الاقصى يوم 7 اكتوبر الجاري لدخول تجربة برلمانية جديدة، ويخطو خطوته الثانية بعد انتخابات 2011 في بلد الربيع العربي الناعم الذي ابتدع ساسَته اسلوب التغيير في اطار الاستقرار والمنهج الاصلاحي بدل الثوري. تتنافس في السباق الانتخابي احزاب عريقة ليبرالية ويسارية واشتراكية وحزب الاستقلال، شيخ الاحزاب، وحزب الاصالة والمعاصرة الذي انشئ سنة، 2008 ويعد المنافس الابرز للعدالة والتنمية، في جو عنف انتخابي في مواجهة بن كيران الفائز في الانتخابات التشريعية 2011 والمحلية 2015. وتتواتر الانباء عن ضغوط ضد شخصيات لمنعها من الترشح وتهجمات على مقر احزاب وجمعيات، قررت اثره دوائر من الدولة العميقة الغائرة قلب الطاولة على الجميع. وليس ادل على ذلك من المسيرة التي انطلقت في الدار البيضاء سميت بـ”المسيرة اللقيطة” و”المجهولة الهوية”، دعت للاطاحة بالحكومة، علق عليها بن كيران بقوله “كل شيئ بايْن” وجهت فيها اصابع الاتهام الى وزارة الداخلية وحزب الاصالة والمعاصرة، ثم تطورت الامور الى المطالبة من قوى يسارية بمقاطعة الانتخابات اصلا، والترويج لعزوف الناخبين عنها والعودة بالبلاد الى اجواء الاستقالة الانتخابية التي وصلت ذروتها في انتخابات 2007.

العدالة والتنمية، المحافظون المعتدلون : مسيرة ومسار :

حسم رافدان تجربة الاستقرار في المغرب :

  1. انطلق في العشرية الاخيرة مسار العدالة والانصاف، ومصالحة الدولة مع المجتمع، واجراء اصلاحات ديمقراطية بدأت تخيط جرح الاستبداد.
  2. الربيع العربي الطارئ الذي حسم خيار الديمقراطية وسرّع بها. وكان ذلك في بيان ملكي في مارس 2011 صبغ الفترة بالانفتاح الديمقراطي، خاف فيه الملك ان تاتي شرارات الربيع العربي على الأخضر واليابس.

ولكن السؤال اللغز، هو مدى قدرة “العدالة والتنمية” على اقتحام العقبة والصمود امام خصوم عتاة لهم خبرة بوعَث الارض والسياسة والدولة. تتعدد الاسباب والفلاح واحد: إذ لا احد ينكر خصوصية شخصية بن كيران وصحبه منذ دخولهم العمل السياسي عن طريق “الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية” مع حزب عبد الكريم الخطيب رجل القصر. حينها، كان النظام متحجرا، و لكن حاول الاسلاميون مرارا، وولجوا عالم السياسة من نافذة حزب لم يَدْرُجوا فيه. وخاضوا الانتخابات المحلية ثم التشريعية.

المشاركة وليس المغالبة:

هو شعار الحزب، إذ انتهى مبكرا الى ان المؤسسة الملكية هي المؤسسة المحورية والضمانة للاستقرار، و تداعيات 20 فبراير 2011 بعد احداث الربيع العربي سهلت على المؤسسة الملكية التعامل مع الاسلاميين. فقبيل ذلك التاريخ، كان من المفروض ان يقوم ائتلاف حكومي يقوده حزب “الاصالة والمعاصرة” و”حزب تجمع الوطنيين الاحرار”. ولكن تداعيات 20 فبراير 2011 الطموحة الى تغيير راديكالي كما هو الشان في احداث تونس، سهّلت لبن كيران المهمة. فاختار “العدالة والتنمية” منهج اصلاحيا وليس منهجا ثوريا، وابتدع فكرة التغيير في اطار الاستقرار بعد قراءة متأنية في الداخل والخارج بينت ان المنطقة المغاربية لم تعد تحتمل ثورة ثانية. قبل فيه بن كيران بتشكيل ائتلاف حكومي لا يحصل فيه حزبه على وزرات السيادة، واندمج في اللعبة الديمقراطية. وكان انسحاب “حزب الاستقلال” ممهّدا آخر لتواصل الحكومة رغم الاحراج الذي سببه رحيله للتجربة التشاركية برمتها. مشاركة “العدالة والتنمية” في الحكم كانت على اسس برغماتية سياسية واقعية، تراعي موازين القوى وأعراف السياسة ومنطق الحكم.

اسلوب التدرج:

عملا بقاعدة: “العاقل المُدبر خير من الاحمق المُقبل”. تجلى ذلك في عدم رغبة الحزب في الانتخابات التشريعية لسنة 1997 بالاكتفاء بالترشح في دوائر محدودة حتى لا يلفت الانظار اليه كثيرا، وحقق فوزا رغم محدودية الفرصة إذ شارك به 24 دائرة من أصل 325، حصل الحزب منها على 9 مقاعد أغلبها في الدار البيضاء. وكانت الخطوة تلك اثر قراءة في درسين:

  1. الدرس التونسي بعد الانتخابات التشريعية سنة 1989 زمن بن علي، لما ترشح اسلاميو تونس جماعيا ولم يعملوا بنصيحة الترشح في 5 دوائر فقط. فأعقب مشاركتهم الشاملة في الانتخابات وقبول الناخب بهم وعي لدى قوى داخلية وخارجية بانهم قوّة وجب لجمها، وانتهت التجربة آنذاك بتصفية حركة النهضة من الساحة لمدة 20 عاما.
  2. الدرس الجزائري مع “الجبهة الاسلامية للانقاذ” التي حصلت على 80% من الاصوات سنة 1990 وانتهت التجربة بانقلاب الجيش على المسار الانتخابي برمته وسحق المعارضة وقتل 250 الف جزائري.

وعي بضرورات الحكم والملكية الدستورية:

تجربة المغرب كان فيها رجال العدالة والتنمية للحكم قادة وللمؤسسة الملكية ذادة، رغم اتهام بقية الصف الاسلامي كـ”جماعة العدل والاحسان” لهم بموالاة الملكية وجائر سلطان. ولكنهم اعتبروا انفسهم حزبا سياسيا ليس معنيّا بمن يفوز بالجنة او يصطلي بالسّعير، بل همّه سؤال التنمية والديمقراطية والعمل في انسجام مع المخزن في توازن دقيق حفظ حقوق المؤسسة الملكية وحقوق الحزب في الان نفسه. لم يجد بن كيران نقيصة سياسية في التراجع، ولم يجعل من النزاع عن وزارات سيادية سببا للاحتراب والاظطراب، ولم ينازع القصر في مجاله الحيوي القديم. خاصة بعد ان ابدى الملك عزمه بمراجعة الدستور سنة 2011، انتهى به الى تنازل عن صلاحيات دستورية لضمان سير دواليب الدولة. دخل اثرها الحزب في ائتلاف حكومي مع احزاب علمانية يسارية حتى يجنب البلاد انفجارا، وادار التجربة بمنطق التعايش السياسي، والخروج منها باقل فترة الحكم تميزت بتغليب الوطني على الحزبي، وتزامنت مع اجراءات موجعة وشجاعة لصالح الطبقة الشعبية صنعت الفرق ولوت الاعناق، كرفع الدعم عن المحروقات والانحياز للطبقة المسحوقة وقانون الجهوية المتقدمة اي الحكم المحلي، رفع فيه دخل التقاعد ل 10.500 اسرة من 140 درهم مغربي الى 1000. ودخل رئيس الحكومة معركة طاحنة مع لُوبي الادوية وخفّض سعر 1500 دواء ونسِب الفضل لوزير الصحة الشجاع “حسين الوردي” في الاقتراح بعد ان استكشف ان اسعار بعض الادوية الحقيقي لا يتجاوز 200 درهم ولكنه يباع بـ4000 في الصيدليات، ووضعت منحة لفئة مسحوقة يبلغ عددها في المغرب 100.000 وهي فئة الارامل فتوصلت الحكومة الى اسناد منحة لـ 16.000 اسرة وربطت الاجر الشهري بعدد الأطفال ليحصل كل طفل في كفالة ارملة على 350 درهم وطال الاجراء ايضا العامل اليومي شبه العاطل الذي عمَده المرض واقعده والذي يطلق عليه في المغرب “طَالبْ مْعاشو”. لتنكب الدولة على مشروع اصلاح التقاعد قبل ان تحل الكارثة ولن يحصل المغاربة على تقاعدهم بحلول سنة 2025، مما منح الحزب شرعية الانجاز والاقناع والنفاذ الى الاوساط الشعبية المعدمة في المغرب. وكان تكتيكا اثبت فيه “العدالة والتنمية” قدرته على البقاء في السباق وفهم السياق وعلى ادارة ملفات دولة لتبقى تجربة نادرة في المنطقة العربية وصل فيها الاسلاميون الى السلطة ولم يغادروها.. عموما كان الاسلاميون في مستوى اللحظة. وكان موقف الناخب المغربي واضحا في رفضه للتجارب الحكومية السابقة التي لم تؤد الى تغيير واقع الناس ومعاشهم ولم تسد مسغبتهم، ولذا كانت الرغبة الشعبية في منح الثقة والفرصة لمجموعة جديدة بأياد بيضاء.

ولكن التوافق هو من حكم اللعبة الديمقراطية، إذ سار كل شيئ على مستوى التوافقات السياسية مع المؤسسة الحزبية للعدالة والتنمية التي تملك تاريخ عريقا في التوافق مع المؤسسة الملكية منذ ستينات القرن العشرين، وتطورت في صراع معين مع اليسار المغربي، معتبرة ان المؤسسة الملكية لم تكن معادية للدين، بل منه تستمد جزءا هاما من شرعيتها. فهم الحزب مضغة الاستقرار، و أراد خلاله بن كيران ان يحافظ على ثقة الملك فيه. إذ لا يمكن لحكومته ان تعمل في جو موتور مع اهم مؤسسة. ولان بنية النظام مركبّة على أن الصلاحيات الاستراتيجية الكبرى هي للملك، وعلى من يشاركه الحكم والنفوذ. وهذا الادراك العميق هو احد مهيئات النجاح. فالحزب منذ تخلقّه الاول جنينا سياسيا في رحم “حركة الشبيبة الاسلامية” والجمعيات الاهلية التي انضوى تحت لوائها، انتهى الى بلورة تصور للعمل السياسي والاجتماعي واجتراح نظريات تفصل بين الدعوي والسياسي. بلغ فيه النّضج الأوج بتمعنه في غور تجربة “العدالة والتنمية التركي”، ويقينه بانها تجربة هامة يقف حيز النفع منها على الاستئناس والاقتباس، وليس الاستنساخ والانسلاخ، مع يقين قيادات العدالة والتنمية التركي بالاعجاز الاقتصادي للتجربة التركية. نهج الحزب منهج التواصل مع الطبقات الشعبية بخطاب شعبوي احيانا، ولكنه صريح ونزيه حول الفساد ولوبيات المال والادوية والنهب والغصب، وصف فيه بن كيران ناهبي الشعب للاقتصاد بالتماسيح، ومدبري الليل والنهار بالعفاريت. ولعب دورا اساسيا بفضل تجربته الكبيرة في العمل السياسي وبراغماتيته الواقعية التي مكنته من تقاسم الحكم مع ليبراليين ويساريين ووطنيين. راى فيه خصومه قدرة فائقة على التنازل على شرعية انتخابية دستورية من اجل الحفاظ على الوفاق السياسي، ساندتها ظروف مواتية نسبيا كانخفاض اسعار البترول في العالم الى 30 دولارا مما وفر لخزينة الدولة مبالغ هامة اصلح حبها شان العجز التجاري، ورغبة احزاب وطنية في دعم الاستقرار. وكانت خيارات الحكومة الاقتصادية مدعومة من المحيط السياسي الدولي، خاصة الخيار الليبرالي الاقتصادي رغم سلبياته، اعتمدت فيه الحكومة قانونا جديدا للمالية شُرع في العمل به من عام 2016، كما بذلت السلطات نقديا وماليا، جهودا إلى تعصير النظام المالي المغربي، لجعل السياسة النقدية مواكبة لافضل التطبيقات بالمعايير الدولية، وواصلت دعم تمويل النسيج الاقتصادي، خاصة المشاريع الصغرى والمتوسطة. وفرت الحكومة بفضلها نصيبا ماليا للاستثمار الوطني وعززت شبكة الحماية الاجتماعية لصالح الطبقة الأكثر فقرا وإملاقا وهشاشة.

التفكير يحدد المصير، اثبتت فه المدرسة المغربية في التفكير ريادتها. فيرى سعد الدين العثماني احد منظري الحزب انه: “ليست للدولة وظيفة دينية بالمرة.. ولا يمكن أن تكون للدولة وظيفة دينية لأنها مؤسسة سياسية.. ولأن حماية الدين ليست وظيفة دينية بل هي وظيفة سياسية». ومن هنا جاء سؤال التنمية بدل الايديولوجيا والانجاز الاقتصادي بدل التبشير العقَدي. تآكلت شعبية احزاب يسارية وعلمانية مغربية عديدة اخفقت في اختبار تحسين الواقع سواء بالمنهج الاصلاحي او الثوري، والعدالة والتنمية مقبل على فوز بلا ريب، ولكن العبرة ليست بتصدر مشهد الحكم، بل بالقدرة على حمل الامانة في عصر ديمقراطي، لم تعد تستطيع السياسة فيه تجدي إنْ كان القصد منها الوجاهة والسّجاد الاحمر. تتقدم التجربة في عالم عربي اقطاره وشعبه بين حريق وغريق.

شاهد أيضاً

مـــن أجــــل تأسيـــس حركـــة وطنيــــة تصحيحيـــــة

عبد الرزاق كيلاني الحمد لله، في اليوم 13/11/2017 النهضــة: المشكــل والحــل بعد قرابة السبع سنوات ...

اترك رد