الجمعة ، 17 نوفمبر 2017

لا تعض الكلب

.
عادة، أعتبر أنه إذا عضك كلب، فلا تعضه، ولذلك لا أهتم كثيرا بمن يتهمني منذ أعوام بأني من “أزلام المرزوقي” أو من النهضة أحيانا، وأحدهم (زميل صحفي) قال لي بودّ سامّ مليئ بالنفاق: “والله أحبك، لولا أنك زقزوقي”. أعترف أني تصيبني أحيانا حالات بهتة أعجز فيها عن الرد، إنما أفكر في أن أدوس على ذيل الكلب الذي يعضني حتى يبلغ عواءه آخر مغارة لإعلام التجمع وآخر وكر للنذالة الوطنية وحتى ينهق البهيم في البحر، الغريب أن أصدقائي الذين عرفتهم في سنوات الثانوي في مدينة الكاف ما يزالون يعتبرونني يساريا عنيفا، إنما محافظا وعميق الإيمان بسبب جذوري الريفية في دير الكاف، أما التجمعيون في أوقات قوتهم، فقد كانوا يعتبرونني هامشيا لا يليق أن يقدموه إلى صناع القرار.
 
وبعد الثورة مباشرة، اقترح علي العزيز الحبيب بالعيد الإشراف على إذاعة مدينة قلبي الشخصية “الكاف”، وقبلت وقتها أن أستقيل من جريدة الشروق لأجل ذلك، إنما ضعفت إزاء أحبائي من زنوس اليسار لقيادة مسيرة عنيفة ضد بقايا النظام السابق في الإذاعة، قال لي ملازم أول من الجيش الوطني كان يحرس الإذاعة: “أيها المدير المزعوم، لن أتردد في إطلاق النار عليك لو تجاوزت الباب”، وعندما قرر هؤلاء الأصدقاء إعادة المطالبة بتكليفي بإذاعة الكاف، كان الوقت متأخرا جدا، فقد تولت النهضة الحكم وأعادت إعلام نظام بن علي إلى الإعلام.
.
لا أدري ما أقول إزاء شخص يشبه الكلب حتى في وجهه يقول لي متحديا: “باهي، ماكش مع المرزوقي، مالا مع شكون ؟”، أنا لا أعرف الجواب، وتصيبني حالة بهتة وأفكر في أني ضدهم جميعا، لكن هذا لا يهم الكلب، وعندي من أهلي جماعة من النهضة يعتبرونني فاسدا ميئوسا منه، وثمة جيل جديد من الأسرة في مدينة الكاف يعتبرونني حقا فوضويا متخفيا بالأخلاق الاجتماعية، كما عرفت عائلتي ظهور سلفيين عنيفين كانوا يعتبروني مارقا من الدين، أما أنا حقا، فقد تجاوزت الخمسين من العمر، ولم يعد لي وقت لإضاعته في تعريف نفسي، في أحد عشر يوما من العزلة في جناح العزل في سجن القصرين خريف 1987، كنت قد عرفت ماذا أريد: “كرامة الإنسان قبل أية إيديولوجيا، أية نظرية، أي شيء، إنسانية الإنسان وحق كل فرد في الاحترام وفي فرص العيش الكريم والإبداع، حق الحياة”، التهمت كل ما كتب عن l’humanisme منذ بدايات فلاسفة القرون الوسطى حتى اليوم، إنما هل يفكر الكلب في هذا قبل أن يعضك ؟ ماذا تقول للكلب لما يفترض أصلا، أن الانتماء إلى حزب المرزوقي مثلا هو عمل شيطاني ؟
.
الغريب أني لا أعرف حتى أين يقع مقر حزب المرزوقي ولم تطأ قدماي مقر حركة النهضة ولا أي حزب آخر حتى لأسباب مهنية، وأول لقاء لي مع المرزوقي كان كارثيا في بداية التسعينات في مقر رابطة حقوق الإنسان وقد أطردني لأني كنت أدخن بنهم سجائر ذات رائحة رديئة (كريسطال عادي) في مكاتب الرابطة وأتكلم بصوت عال، وقال لي محام معروف بنضاله من أجل حقوق الإنسان إن الدكتور كان يظن أني من صحفيي النظام، لكنه كان قد خلف لي انطباعا بأنه شخص متوتر وغير ودي ويطلق أحكاما مسبقة على الناس وبدا لي أنه يمكن أن يكون أفضل لو كان أكثر ودّا، كنت في الخامسة والعشرين من العمر، وكنا نعيش أوائل خيبات السابع من نوفمبر وقتها، رأيته ثانية بعد أكثر من عشرين عاما وقد انتصر على الطاغية في قصر قرطاج وكنت مع ثلاثة زملاء آخرين لأقل من نصف ساعة باقتراح من زملاء أعزاء رأوا أني أملك بعض المقترحات الوجيهة لإصلاح إعلام ما بعد الثورة، والحقيقة أني كنت مذهولا بالصورة الخرافية لعرين السلطة في قصر قرطاج، وفق الصورة الروائية التي رسمها غابريال غارسيا ماركيز لقصر الجنرال في رواية “خريف البطريق”، لم يبد عليه أنه تذكرني وسمح لي بالكلام لأقل من ثلاث دقائق مع طعام الإفطار فاقترحت إنشاء هيئة تعديلية فورية في الإعلام الوطني، وتغيير القوانين المنظمة لإنشاء المؤسسات الإعلامية لتصبح خاضعة تماما للمسؤولية المدنية لمجالس التحرير،
هل أخذ أحد بمقترحاتي ؟ لا أظن، هل ذلك كاف لاتهامي بأني مرزوقي أو حراكي دون بقية من حضر ؟ لا يهمني موقف الكلب،
.
أنا ما يؤلمني، هو تفشي “حالة الشيطنة ” للآخر، الخصم السياسي، عودة الوسائل القديمة لتصنيف الناس، يقول لك: “أنت معي أم مع الآخرين ؟” تجيب (لكي تعيش): “أنا معك”، يقول لك: “يا غبي، نحن الآخرون، لقد خسرت الامتحان”، هذا يذكرني أيضا بمقولة كان يطلقها أحد أكثر القضاة فساد في تاريخ تونس لتدمير معنويات زملائه وتحويل نزاهة القضاء إلى جريمة: “نحن مع الرئيس ضد الحكومة والشعب”، أليس كذلك أيها الكلب ؟

شاهد أيضاً

ما يعنيني في الرئيس الجديد لهيئة الإنتخابات

خير الدين الصوابني لا يعنيني اطلاقا الانتماء الجهوي للرئيس الجديد لهيئة الانتخابات فمن يتحدث عن ...

اترك رد