الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017

الغيث الفاضح

محمد الناصر رابحي
.
برحمة الله تهاطل يوم أمس على أغلب ولايات الساحل كميّات هامّة من الأمطار، والتي طال إنتظارها من الجميع..
إنتعشت السدود والبحيرات، وإرتوت الأراضي والأشجار والزياتين العطشى، وإرتفع المؤشّر لعام فلاحي ممتاز..
.
لكن، مع كلّ الخير الذي أرسله الله إلينا في هذه الأمطار المباركة، ظهرت شرور الإنسان التونسي وإنكشف مدى خيانته وغدره وتلاعبه..
بنية تحتيّة في العاصمة وسوسة وصفاقس، فضحتها الأمطار، وأظهرت أنها لا تنفع إلّا لملإ جيوب المقاولين والمرتشين من موظفين أعطوا التأشيرات لأشغال لا ترقى لأدنى مستويات الجودة العالميّة..
طرقات تمزّقت وإنقلعت، قنوات فاضت وتكسّرت، وأعمدة تنوير سقطت ومالت، والأدهى، أسقف مدارس إنهارت على رؤوس أبنائنا..
.
نعم، تلك هي آلام التونسي، واضحة بعد أن غسل المطر كمّ المكياج والأقنع على مقاولين وموظفين فاسدين..
خسرنا في هذه الأمطار أكثر مما ربحنا، ملايين الأمتار المكعّبة من المياه ذهبت هباءا منثورا نحو البحر أو إختلطت مع مياه الصرف الصحّي أو جرفت المزابل والبقايا لتتعفّن وتفسد مع الفاسدين..
.
قلنا منذ سنوات أعدّوا لأمطار بعد الجفاف، وإستغلّوا وديانا جافّة لتصبح مسطّحات تكتنز تلك المياه، مياه صالحة بالتأكيد للفلاحة ولملأ المائدة المائيّة وإنقاص الملوحة من التربة..
قلنا أنها مشاريع رخيصة غير مكلفة ستجعلنا في أمن مائي، كما حدث في الصحراء الهنديّة.. فقط غلق تلك الوديان ومصباتها البحرية وتهدئة التيارات فيها بسدود صخرية صغيرة، لنحتجز المياه الكثيرة التي تصب في البحر بلا فائدة..
.
كلّ يوم يصرخ السياسيّون أننا في عجز مائي، وأننا مهددون بالعطش، وقد بلغنا قبل هذه الأمطار خطّا أحمرا قاسيا جدّا، وتعرّضنا لضربة قاسمة بعد سنوات الجفاف، كدنا نتوقّف عن ضخّ المياه في قنواتنا المهترئة..
واليوم أُنقذ الموقف بتدخّل إلاهي، لعلّنا نتعلّم من أزمتنا الماضية، لكن.. مرة أخرى لكن..
إذا.. ماهية الإجراءات التي على الدول إتخاذها بعد الغيث الفاضح ؟..
– فتح تحقيقات ضدّ مقاولي البنية التحتيّة..
– إيقافات رهن التحقيق لموظفين أعطوا تأشيرات مطابقة الجودة بعد كل عمليّة نهاية اشغال عموميّة..
– تقديم المورّطين في الفساد في الصفقات العموميّة للعدالة..
-تشكيل فريق من الباحثين والعلماء والمستشارين لإيجاد حلول ومصادر الإستفادة من كل قطرة مياه أمطار..
.
طبعا لن يحدث هذا أبدا، ولن يحصل غير تسريح المزيد من صفقات الإصلاحات لما تدمّر من بنيتنا التحتيّة لنفس المقاولين الذين غشّونا سابقا.
يعني ستهطل الدينارات على جيوب الفاسدين، وسيستفيدون مما حدث، وسيدفع المواطن المزيد من الضرائب، لإصلاح وجبر الأضرار..
وسيؤشّر موظفوا وزارة التجهيز ومصالح الاشغال العموميّة على جودة الأشغال الجديدة، ربّما قبل أن تبدأ أصلا..
أمطار بساعتين أو اقل، كشفت عورات الكثير، لكن يبدو أنّ التونسي بلا عيون.. بلا عيون في رأسه ولا في أرضه..

شاهد أيضاً

السيد رئيس الحكومة المستهلك يسمعك بـ”جيبه” المثقوب وليس بعقله

عبد السلام الزبيدي عندما يفتخر رئيس الحكومة باهتراء المقدرة الشرائية، ويعلّق خيبة السياسات على أزمة ...

اترك رد